مقالات

الإعلام المصادر في تونس في وضعية “إن-عاش “

خولة السليتي
صحفية

  مفاوضات ماراطونية فتعهدات حكومية ثم تراجع على الاتفاقات وصولا إلى المقايضات فالاحتجاجات والتحركات النضالية.. هذه هي الصورة التي تكاد تميّز وسائل الإعلام التونسية المصادرة.

    عشر سنوات تقريبا منذ مصادرة كل من دار الصباح وإذاعتي الزيتونة وشمس اف ام ومؤسسة الإنتاج لسمعي البصري كاكتوس برود، عشر سنوات مرّت على مصادرة جزء هام من المشهد الإعلامي في تونس وسط غياب رؤية واضحة لإنقاذ مؤسسات نجحت في افتكاك مكانة هامة في الساحة الإعلامية.

  فتهميش الإعلام المصادر في تونس والتعامل معه بمنطق الحلول الترقيعية المؤقتة بات القاسم المشترك بين الحكومات المتعاقبة على البلاد منذ الثورة، وكأن كل راحل يوصي خليفته: “أوصيك شرا بالإعلام المصادر”.. لتكون إجابة “الخليفة”، النظرية، لبنات وأبناء الإعلام المصادر: “لا تقلقوا ولا تجزعوا، نحن ضامنون لاستمرارية مؤسساتكم وحقوقكم.. والأهم من ذلك ضامنون لمكسب الثورة حرية الإعلام”..

  ومن هنا تبدأ رحلة المعاناة.. فعن أيّة “ضمانات” حقيقة يتحدثون؟؟

   أولى هذه “الضمانات” تعيينات بالولاءات على رأس المؤسسات والمقابل تصفية حسابات ومحاولات لبسط اليد على الخط التحريري للمؤسسة وجعلها بوق دعاية للحكومة الجديدة، 

نوعية هذه التعيينات عديدة وقد تصدى الصحفيون، على مدار السنوات العشر، للعديد منها ولعل أبرزها حراك دار الصباح في2012  في عهد حكومة الترويكا.

   ثاني هذه “الضمانات” مصادرة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للصحفيين ورفض تسوية الوضعيات الهشة والأخطر من ذلك المقايضة شهريا بأجور بنات وأبناء الإعلام المصادر خاصة بعد ما تم التحكم في حنفية أو “سبّالة” الإشهار، نعم هكذا سماها أحد المستشارين الإعلاميين لرئيس الحكومة في إحدى الجلسات التفاوضية الخاصة بإذاعة شمس اف آم، والتي كنتُ فيها أحد شهود العيان على قوله: ” اطمئنوا يكفينا القيام ببعض الاتصالات لتجدوا موارد إشهار وتتحصلوا على أجوركم”.

   وبعد احتجاج الطرف النقابي على جملته وإقراره الرسمي بوجود أوامر فوقية لعدم تمكين الإذاعة من ومضات إشهارية رغم أنها تحتل المراتب الأولى على مستوى نسب الاستماع، استدرك بالقول: “سأتراجع عن قراري.. وسأتصل بنفس المستشهرين لإلغاء الومضات المبرمجة وابحثوا عن أجوركم بمفردكم”.. نعم هكذا قالها في العلن بحضور القيادات المركزية للنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين والاتحاد العام التونسي للشغل.

  ثالث هذه “الضمانات” هو دفع المؤسسات الإعلامية المصادرة نحو الموت السريري وتركها في وضعية “إنعاش” فتصبح ديمومة المؤسسة مبنية على فرضيات ودعوات “إن شاء الله”، حال اليوم!

فكيف يمكن لإذاعتي الزيتونة وشمس اف ام وشركة كاكتوس برود أن تعيش وهي تعاني من صعوبات تقنية؟  إن المعدات التقنية اليوم في وضعية صعبة بسبب عدم تجديدها أو تطويرها منذ 10 سنوات تقريبا ما تسبب في توقف البث أحيانا بصفة مؤقتة في إذاعتي الزيتونة وشمس اف ام ولكم أن تتخيلوا أن يتزامن هذا الخلل التقني مع موعد إخباري!! فمواعيد الأخبار مقدسة طالما كانت في فترة ما أداة لتعديل أوقات الساعات. ومع ذلك، لا تأبه الحكومة بحجم الكارثة وتواصل صمتها وتجاهل أهمية وضع رؤية استراتيجية عملية عاجلة لإنقاذ هذه المؤسسات من خطر توقف البث في أية لحظة والقطع مع مصيرها الغامض والمتروك للمجهول.

 وهو يكاد يكون نفس مصير دار الصباح، أعرق صرح إعلامي في تونس، تشهد صفحات جرائدها بأنها أقدم من تاريخ استقلال الدولة التونسية.. فإعلان الاستقلال، نشر على الصفحات الأولى لجريدة الصباح..

ولكن مختلف الحكومات المتعاقبة تتعامل معها بمنطق “مؤسسة عقارية” وليس “إعلامية” أو موروث وطني شاهد على حقبات زمنية مهمة في تاريخ البلاد، هم يجهلون تاريخ الدار على عكس الغرب الذي يقدّسه، يكفيك اليوم زيارة متحف Newseum  Theفي واشنطن لتجد ركنا فيه مخصصا لأعرق وسائل الإعلام في العالم، وصحيفة “الصباح” من ضمنها، فالمتحف الأمريكي شهد على عراقة وأصالة وتاريخ “دار الصباح” التونسية ولكن أبناء بلد الدار يتعمدون تجاهله وقبر جزء من التاريخ.

الكرامة القابضة.. اللغز!!

إن جانبا من حل لغز المؤسسات الإعلامية المصادرة بيد مؤسسة الكرامة القابضة، فهي المشرفة على عدد من المؤسسات المصادرة بينها المؤسسات الإعلامية وهي المكلفة بتسييرها. وتبقى مؤسسة الكرامة القابضة بدورها لغزا، فالحكومات تتغير والمسؤولون الأوائل على التسيير في الكرامة لا يتغيرون!!

وتشهد الأرقام وحجم الخسائر المادية بالمليارات لكل من دار الصباح وإذاعة شمس اف ام بشبهات تصرف وسوء تسيير إداري فيها ارتكز في جانب منه على إغراقها بالديون عوض السعي إلى هيكلة مالية ناجعة تنقذها من شبح الإفلاس وفقدان قيمتها المالية. وفي هذا التوجه “المتعمّد” سعي إلى التفويت فيها بأقل الأثمان لفائدة رؤوس أموال معينة.

   كما تشهد مؤسسة كاكتوس برود هي الأخرى بشبهات الفساد “المؤسساتي”، فالقطب القضائي الاقتصادي والمالي متعهّد اليوم بقضايا في الغرض وأصابع الاتهام الأولى موجهة لعدة أطراف بينها المتصرفة القضائية السابقة لكاكتوس برود التي لازالت في حالة فرار بسبب اتهامها باختلاس أموال وشبهات فساد مالي في مؤسسة الانتاج المصادرة.

     وضع معقّد تعيشه المؤسسات الإعلامية المصادرة تتحمل مسؤوليته الدولة بمؤسساتها وعلى رأسها لجنة التصرف في الأملاك المصادرة التي بقيت رهينة القرار السياسي الذي يبحث عن مصلحته بجعل مصير هذه المؤسسات عالقا رغم أن الحل بسيط.

فإذاعة الزيتونة “الدينية” مثلا اتفقت معظم الحكومات المتعاقبة على تأميمها وضمّها لمؤسسة الإذاعة التونسية لكونها إذاعة ذات صبغة دينية لا يمكن التفويت فيها للخواص تجنبا لفرضية توظيفها وتداخل الديني بالسياسي مثلما يحدث مع إذاعة القرآن الكريم غير القانونية.

ويأتي مقترح التأميم تجنبا لأن تكون الإذاعة صوتا “متخفّيا” للإرهابيين أو حتى السياسيين خاصة أمام رغبة بعض الحكومات بوضع الإذاعة تحت إشراف وزارة الشؤون الدينية وليس مؤسسة الإذاعة التونسية. وإلى اليوم، بقي تفعيل قرار ضمها للإعلام الإذاعاتي العمومي عالقا ولم تخرج تسوية وضعيتها من بوتقة التصريحات الرسمية دون تفعيل واضح للقرارات.

أما وضع إذاعة شمس اف ام، فهو مختلف اليوم عن بقية المؤسسات الإعلامية المصادرة لأنها في المراحل الأخيرة لعملية التفويت المعني بها حاليا ثلاثة مستثمرين.

 ولكن يوجد تباطؤ من لجنة التصرف في الأملاك المصادرة للحسم في هذا الملف وغلقه على مستوى الحكومة. وتستوجب صبغة المؤسسة الإعلامية الحصول على موافقة نهائية من الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري “الهايكا” للتفويت فيها رسميا في صورة قبول الحكومة لملف أحد المستثمرين، وهو تفصيل لا يجب للجنة التصرف أو الكرامة القابضة تجاهله والتعامل مع الإذاعة كأية مؤسسة اقتصادية مصادرة تم التفويت فيها. فموافقة الحكومة لا تعني موافقة الهايكا وبالتالي تبقى فرضية عدم تمكين المستثمر من رخصة البثّ واردة، في صورة وجود إخلالات لا تتماشى وكراس الشروط المنظم للقطاع السمعي البصري في تونس.

  وبالنسبة إلى مؤسسة دار الصباح، يستوجب وضعها المادي إعادة هيكلة مالية مبنية على دراسة اقتصادية جدية واضحة بعيدة على منطق منح قروض للمؤسسة لخلاص أجور أبناءها بمنطق “إطفاء الحرائق”، بل يجب على الدولة أن تقطع مع مقترح “التفويت الجزئي” الذي يتبناه بعض “التكنوقراط”. فالتفويت في الممتلكات العقارية لدار الصباح سيتسبب في فقدانها جانبا من قيمتها وقد يزيد الوضع تعقيدا في ظل أزمة الصحافة الورقية.

   وفي موضوع شركة الإنتاج كاكتوس برود، يجب على الدولة أن تتجندّ بمؤسساتها للدفاع عن المال العام والتسريع في البتّ في القضايا المجمدّة والحسم في وضعيتها القانونية إما بتوظيفها لفائدة التلفزة التونسية وجعلها مؤسسة إنتاج عمومية أو التفويت فيها بما يضمن استمراريتها وحقوق العاملين فيها.

فإلى متى سيتواصل توظيفها من طرف قنوات تلفزية خاصة تستغل معداتها وأستوديوهاتها بمباركة “سياسية” تحمل أجندة خفية مصلحية حكومية؟

    لقد حان الوقت للقطع مع المصادرة وأن ترفع حكومة هشام المشيشي أياديها على الإعلام المصادر. فمصادرة حاضر ومستقبل المؤسسات الإعلامية الأربعة ومصادرة حقوق بناتها وأبناءها يعكس مصادرة حرية جزء هام من الإعلام التونسي، أمر لا يليق بدولة في مرحلة انتقال ديمقراطي ينصّ دستورها على احترام الحريات وعلى رأسها حرية التعبير والإعلام. لقد حان الوقت لوجود إرادة حكومية تعيّن طبيبا ذا كفاءة وجرأة يكون قادرا على أن يقرّر ويحسم في التشخيص وينقذ المؤسسات الإعلامية المصادرة من وضعية “إن-عاش”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى يخضع لحقوق ملكية
إغلاق
إغلاق
Skip to content