مقالات

التضخم المالي في تونس ظاهرة هيكلية وسيستمر لسنوات

طارق السعيدي
صحفي

بلغت نسبة التضخم المالي لشهر سبتمبر 2022 نحو 9.1 بالمائة وفق أرقام المعهد الوطني للإحصاء. وقد سجلت بذلك نسبة التضخم ارتفاعا مقارنة بشهر أوت بنحو 1.1 بالمائة. ويمثل ارتفاع نسبة التضخم من شهر إلى آخر السنة الملازمة للاقتصاد التونسي خلال السنة الحالية حيث قفزة النسبة من 6.7 بالمائة في جانفي 2022 إلى 9.1 بالمائة وهو نسبة مرشحة لمزيد من الارتفاع. وفي مواجهة هذا الأمر الخطير مازال الخطاب الحكومي يعتمد على حجج من قبيل الظرف الدولي والاحتكار وغيرها من الأسباب الظرفية.  والحقيقة أن تنامي التضخم في تونس أصبح يطرح نفسه. كموضوع رئيسي يستوجب التوقف من أجل تحديد جذوره وتحديد آليات مواجهته.

المحددات الهيكلية للتضخم

وقد يكون من الأنسب قبل الحديث عن التضخم في تونس طرح المقاربات المختلفة للتضخم والتفسيرات المقدمة مما قد يساهم في فهم خطابات الحكومة في هذا المجال والإجراءات المتبعة وتأثيرها الفعلي على نسبة التضخم وعلى الاقتصاد. لقد عاش العالم طيلة عقود منذ بداية السبعينات مستكينا إلى مقولة واحدة هي التضخم ظاهرة نقدية غير أن ما حصل داخل الواقع خلال العقود المنقضية زعزع اليقين العلمي حول هذه المقولة النيوليبرالية. إن ملاحظة التضخم المالي بوصفه ظاهرة اقتصادية كثيرة التكرار في الاقتصاد وحدوثه في أوقات وأزمنة لم يكن متوقعا ان يحدث خلالها، تطرح ضرورة إعادة النظر في النظرية الكلاسيكية. فحسب المدرسة الاقتصادية النيوكلاسيكية (monétaristes la nouvelle économie classique et les ( يفسر التضخم على أنه ظاهرة نقدية وأن النسبة الأقل من التضخم دائما ما تكون الأفضل للاقتصاد. ويري ميلتون فريدمان (monétariste) “أن التضخم دائما وحيث ما وجد ظاهرة نقدية”. فالنسبة له يمكن للبنوك المركزية صناعة ما تريد من النقد، وإذا ما كان المطروح في الاقتصاد من النقد كثيرا جدا يحصل التضخم وإذا كان قليلا جدا سيوشك الاقتصاد أن ينهار وفي حال تم طباعة وطرح الكميات المناسبة من النقد ستكون النتائج ايجابية وهي أسعار مستقرة وبطالة طبيعية (مقبولة). والحقيقة أن الهدف من هذه المقولات هو التأكيد على النظام الرأسمالي في حال اشتغل دون عوائق فإنه يذهب طبيعيا نحو الاستقرار وبالتالي فإن الدولة وفق ميلتون فريدمان هي الثعبان الوحيد المتواجد في الجنة وعلى السياسة أن تبتعد عن السوق.

هذه المقولات لم تقنع الاقتصادي الفرنسي “جاك سابير” الذي يرى وجود ترابط ايجابي (السير في نفس الاتجاه) بين التضخم ونسبة النمو وهو أمر مرتبط بمدى الترابط الاستراتيجي بين القطاعات الاقتصادية والذي يتأثر بعدم انسجام البنى الاجتماعية. إن المحددات الهيكلية للتضخم وفق “سابيير” تتمثل أولا في المحددات التقنية المرتبطة بتكنولوجيات الإنتاج وما تفرزه من أسعار حيث يجد التضخم جدوره وأصوله في منوال الإنتاج ويجب الانتباه هنا إلى أن تقنيات ومنوال الإنتاج يتم اختيارها وفق محددات اقتصادية واجتماعية او حتى أيديولوجية. أما الفئة الثانية من المحددات الهيكلية لنسبة التضخم فتكمن في الحالة المؤسساتية لمؤسسات الاقتصاد ومدى قدرة هذه الأخيرة على بث الثقة في الفاعلين الاقتصاديين من أجل تجنب الانخراط في السياسات والأساليب قصيرة المدى وذلك عبر تعزيز اليقين. أما الفئة الثالثة المحددة فتتمثل في هيكلة المجتمع وأشكال توزيع الدخل الوطني وما يترتب عنها من إشكاليات لا تخص فقط التوزيع بل تشمل كذلك حرية الولوج الى التمويل. والحقيقة ان الازمة المرتبطة بالتوزيع تساعد دائما على خلق إشكاليات عميقة مرتبطة بشرعية اليات التوزيع وبمدى رضا الناس اطر التوزيع.

الواقع التونسي

وبالعودة الى المثال التونسي سنجد ان التضخم المالي لا يبدو ظرفيا كما يروج الخطاب الرسمي بل يبدو هيكليا ومؤشرا دالا على هشاشة الاقتصاد التونسي في واجهة الصدمات الاقتصادية العالمية. ان الخطاب الرسمي وهو يركز على الاحتكار وغلاء الأسعار على صعيد دولي يوحي بشكل ما ان التضخم ظرفي وان محاصرة الاحتكار وعودة الأسعار في السوق الدولية الى الاستقرار سيمكن من خفض التضخم. والحقيقة ان هذا الامر لا يخدم كثيرا موقف الحكومة في مواجهة التضخم على اعتبار ان التشخيص المغلوط يؤدي الى العلاج المغلوط. فالتضخم في تونس قد تضاعف نتيجة الازمة العالمية وهذا امر مؤكد غير انه في الاصل ينبع من الطبيعة الريعية الاحتكارية للإنتاج حيث أدى الريع الى احتكار شركات بعينها للإنتاج بمعادلات وأساليب انتاج غير تنافسية وغير اقتصادية وهو ما جعل أسعار المواد المنتجة تونسيا مرتفعة جدا مقارنة بالأسعار العالمية، وجعل منتجات تلك الشركات هشة جدا في مواجهة أي منتجات اجنبية. ويكفي هنا الإشارة الى الاتفاقية مع تركيا التي دخلت حيز التنفيذ منذ 2005 قد أدت الى عجز تجاري بلغ أكثر من 3 مليار دينار في اوت 2022 كما أدت الاتفاقية الى ضرب 250 ألف موطن شغل نصفها في قطاع النسيج وفق بيانات المنظمة التونسية للمستهلك.

وقد جاء في في تقرير للبنك الدولي بعنوان سياسات قديمة تعيق إمكانيات تونس الاقتصادية:

“تعد الحواجز أمام دخول السوق والمنافسة سمة مميزة للقطاع الداخلي.  وقد أدت درجة الحماية العالية التي يحصل عليها المنتجون المحليون في تونس إلى وجود شركات ضعيفة الأداء تنتج سلعاً وخدمات غير تنافسية.  والنتيجة هي أن انخفاض كفاءة القطاعات الداخلية، التي تقدم الخدمات الأساسية للشركات، تؤثر سلباً على تنافسية قطاع المعاملات الخارجية”.

واضافة الى هشاشة المؤسسات التونسية وانتاجها وفق معادلات ومسارات خاصة بها نجد ان البنى الاقتصادية في وضع مؤسساتي صعب فعلى سبيل المثال تطرح الدولة التونسية لتمويل الميزانية قروضا رقاعيا وهو ما يؤدي الى موقع ودور مميزين للبنوك التونسية. وبما ان القانون التونسي يمنع على البنك المركزي اقراض الدولة في إطار ما يسمى باستقلالية البنك المركزي فان البنوك تقوم بهده العملية نيابة عنه عبر تمويل القروض الرقاعية وهو يجعلها تستغنى عن الدور التمويلي وهذ جوهر الخلل الذي تعيشه مؤسسات الاقتصاد على حد تعبير حاك سابير. فالبنوك اذا لا تقرض الفاعلين الاقتصادين لتمويل الاستثمار بل تستفيد من القروض الرقاعية لتحقيق نسبة فائدة مرتفعة ومضمونة وبهذا الشكل نصبح امام وضع مؤسساتي مختل على جميع الأصعدة فلا الدولة تمتلك توازنات مالية مستقرة، ولا البنك المركزي قادر على القيام بدوره في مواجهة التضخم او تمويل الدولة ولا البنوك تقوم بدورها في تمويل الاقتصاد وهذا الامر يؤدي الى ضرب الثقة في المناخ العام لاستثمار والى تعديل سلوك الفاعلين الاقتصاديين نحو خفض الإنتاج او مزيد التمسك على الانساق القديمة للإنتاج التي تخلق موضوعيا مزيدا من التضخم. ومن هذا المنطلق يمكن القول ان ارتفاع الأسعار والمنحى التضخمي للاقتصاد نابع من هيكلة الاقتصاد التونسي نفسه الذي يسير في اتجاه معاكس تماما لاتجاه الاقتصاد التنافسي الحر والمستقر.

والحقيقة ان هيكلة توزيع الثروة في تونس التي تعكس اختلالا كبيرا يظهر بوضوح في صعوبة دخول المؤسسات الصغرى والمتوسطة وصغار المستثمرين لمجال الاستثمار خاصة في ظل ضعف التمويل وصعوبة الحصول عليه.

التضخم الدائم

ان الطابع الهيكلي للتضخم المذكور انفا وتواصل الظرف العالمي يجعلان من التضخم ظاهرة ستلازم الاقتصاد التونسي للسنوات المقبلة. وقد ذكرت مديرة صندوق النقد الدولي ان التقديرات تشير الى أن البلدان التي يمثل اقتصادها ثُلث الاقتصاد العالمي ستعاني من انكماش اقتصادي يمتد لربعين متعاقبين على الأقل من العام القادم. وحتى في حالة النمو الموجب، فسيكون الشعور بهذا النمو وكأنه ركود، بسبب تقلص الدخول الحقيقية وتصاعد الأسعار. وبهذا الشكل فحتى المتفائلون بالطابع الظرفي للتضخم سيجدون انه سيتواصل لسنتين على الأقل وان اثاره ستتواصل الى ابعد من ذلك. وبما ان التضخم متوسط المدى واثاره ستستمر لسنوات فانه من الاجدر معالجة الظاهرة من جذورها واجتناب الحلول الترقيعية فالحكومة مطالبة بان تذهب فورا الى إصلاحات اقتصادية تعزز تنافسية المؤسسات وتحرر الاستثمار من قيود الريع. وسيكون على الحكومة العمل على رفع إنتاجية القطاعات الكبرى للاقتصاد عبر الدعم التقني والمؤسساتي من اجل إنتاجية متعادلة كما يجب العمل على تحسين نظام التمويل عبر تطوير وتحسين الولوج الى النظام البنكي والسوق المالية. اما المهمة الأكثر الحاحا فهي امتصاص تعثرات الاستثمار عبر لعب المستمر مباشرة او عبر تعديل شروط الاستثمار وظروفه. ان مثل هذه الإجراءات قد تكون مجدية في مساحة زمنية اقل بكثير من انتظار الظرف العالمي واعتماد رفع نسبة الفائدة المديرة وغيرها من الإجراءات التي تتجاهل الطبيعة الهيكلية للتضخم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى يخضع لحقوق ملكية
إغلاق
إغلاق
Skip to content