حوارات

الخبير الاقتصادي عبد الرحمان اللاحقة: يمكن إقناع صندوق النقد الدولي ببرنامج تونسي تونسي

طارق السعيدي
صحفي

يعيش الاقتصاد التونسي على وقع أزمة اقتصادية متراكمة تعود إلى أكثر من عشر سنوات وهو ما عطل النمو الاقتصادي وفاقم الإشكاليات الاجتماعية في ظل ضبابية تطغى على المشهد السياسي والاقتصادي ولبحث الحلول الممكنة لهذه الأزمة متعددة الأبعاد التقت «الجريدة المدنية» بالأستاذ الجامعي في الاقتصاد عبد الرحمان اللاحقة الخبير لدى الاتحاد العام التونسي للشغل ليحدثنا عن رؤية اقتصادية شاملة تمكن من السيطرة على الأزمة ووضع اللبنات الأولى لتجاوزها.

كيف تقيم الوضع الاقتصادي؟

يتفق الجميع على أن الوضع الاقتصادي صعب على جميع المستويات وهو ما ولد احتقانا اجتماعيا فهذا الأمر واضح وبديهي لكن الأمر الجوهري في تقديري والذي يتم تناسيه من طرف الجميع هو أن الاقتصاد التونسي كان يعيش أزمة  تفاقمت نتيجة انعكاسات جائحة الكوفيد-19 لتتفاقم مرة أخرى بعد 25 جويلية. فنحن إذا لم نكن نعرف اقتصادا متوازنا بل كنا نعيش أزمة اقتصادية وهو ما يستوجب العودة إلى أصل المشكل وهو الطابع الهيكلي للأزمة الاقتصادية التونسية من أجل إيجاد الحلول.

عبد الرحمان لاحقة

وللأسف أقول هنا أن الضبابية التي يعرفها المشهد بعد 25 جويلية أخرت عملية التركيز والتفكير في إيجاد الحلول

ماهي مظاهر هذه الأزمة الهيكلة للاقتصاد التونسي؟

هي أزمة متعددة الأبعاد يتمثل بعدها الأساسي في أن المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي معطل وهذا الأمر تفاقم في ظل أزمة الكورونا. ويبرز هذا الخلل الهيكلي في عجز الاقتصاد التونسي عن الخروج من دائرة الضعف التي أحدثتها الكورونا، فجميع اقتصاديات العالم تمكن بعد أزمة الكورونا من العودة إلى نفس مستوى الإنتاج لسنة 2019 في إطار ما يسمى بالإصلاح التقني للاقتصاد وهو ما لم يحصل في تونس. وقد سجل الاقتصاد التونسي سنة 2020 نسبة نمو سلبية بتسعة بالمائة وفي 2021 لم نتمكن حتى من الرجوع إلى مستوى الإنتاج لسنة 2019 وإن كان ضعيفا. هذا الأمر يثبت أن المحرك الأساسي للنمو الاقتصادي معطل.

هناك من يرى ان الاقتصاد غير معطل وان الاقتصاد الموازي يجني الارباح وهو دليل على ان الأمور بخير ولكن التهرب الضريبي والفساد اضرا بالاقتصاد فما هو تعليقك؟

مثل هذه المقولات تدخل في إطار استراتيجية تشتيت الانتباه وتركيز مغالطات في المخيال الشعبي حول الوضع الاقتصادي. فهذا الحديث لا يختلف كثيرا عن محاولات اختزال الأزمة الاقتصادية في الدعم وكتلة الأجور والتغافل عن الإشكاليات الحقيقية والمتمثلة في تحكم مجموعة من الافراد في الاقتصاد 

الحديث عن الاقتصاد الموازي يهدف الى تشتيت الانتباه ع القضايا الحقيقية

عبد الرحمان لاحقة

وفي الفساد وفي ضعف الاستهلاك وخاصة واساسا في ضعف الاستثمار العمومي والاستثمار الخاص وهو ما أدى الى ضعف الإنتاج.

والحقيقة ان الإشكاليات التي يشهدها الاستثمار العمومي عميقة الى درجة ان الدولة أصبحت عاجزة عن الاستثمار العمومي حتى في ظل توفر التمويل فالدولة التونسية عاجزة هيكليا ومؤسساتيا على الاستثمار. فلو فرضنا ان الدولة لديها فائض مالي بقيمة 07 مليار دينار فلن تتمكن من توظيفها لان الدولة غير قادرة على تنفيذ استثمارات تجاوز 03 مليار دينار وذلك نتيجة الآليات الإدارية القديمة وخصائص طلب العروض والصفقات العمومية الفساد وبالريع الاقتصادي، ولذلك فإننا كخبراء في الاتحاد العام التونسي للشغل نطالب بالإصلاح المؤسساتي لتتمكن الدولة من تجاوز عجزها ومن أجل نجاعة الاستثمار العمومي. ولا بد من الإشارة في هذ الإطار إلى ضرورة مراجعة خيارات الاستثمار العمومي لأن ما تنفقه الدولة من استثمار عمومي والمقدر بحوالي 04 مليار دينار سنويا لا يتمتع بالنجاعة نتيجة سوء الخيارات ولذلك فإن المراجعة ضرورية من أجل الانفاق بشكل أفضل وأنجع. فعلى سبيل المثال قد لا يكون إنفاق 02 مليار دينار لإنجاز مشروع ميناء النفيضة خيارا ناجعا على المستوى الاقتصادي التنموي. كما أن انفاق المليارات من أجل انجاز محولات في وسط العاصمة لا يكون لها تأثير كبير على حركة سير المرور والحال أن انفاق تلك الاموال في اصلاح البنى التحتية لمناطق أخرى قد يكون أنجع من حيث تحسين ظروف عيش الناس وفي تحسين جاذبيتها للاستثمار وغيره. ومن الأمثلة الأخرى التي أجد أنها استثمارات غير ناجعة هو مشروع تحسين مدخل العاصمة الذي لا يعكس سياسة لتطوير النقل العمومي ولا تعكس تصورا تنمويا. وقد كان من الأجدى تطوير النقل الحضري العمومي في تونس العاصمة بدل تطوير المدخل الجنوبي الذي لن يؤثر على اختناق الحركة المرورية في شوارع العاصمة.

إضافة إلى كل المشاكل الاقتصادية المذكورة هناك حرب قائمة في أوكرانيا ماهي قراءاتك لتداعيات الحرب على الاقتصاد لتونسي؟

حتى يكون تقييم التداعيات المحتملة لحرب على الاقتصاد التونسي دقيقا لا بد من معرفة الكثير من المعطيات ومنها مدة الحرب وتطوراتها وسيناريوهاتها المحتملة. ولذلك فإنه موضوعيا يكون من الصعب توقع التداعيات لأن هناك الكثير من المعطيات والمؤشرات المتداخلة.  فعلى سبيل المثال إذا تحول العالم إلى الغاز الجزائري فإن تونس باعتبارها بلد عبور قد تجني أرباحا تقدر بنجو مليار دينار هذا المثال يؤكد أن كل التوقعات ممكنة وأن السيناريوهات المختلفة تبقى جميعها محتملة. ومع ذلك فانه يمكن القول أن التأثيرات على المستوى القصير ستشمل ارتفاع أسعار الطاقة وهو ما سيشكل ضغطا كبيرا على ميزانية الدولة.

لأن تواصل أسعار النفط اما بالنسبة للمواد الأساسية مثل الحبوب فان التأثيرات، على المستوى القريب، ضعيفة جدا لان تونس امنت حاجياتها بعقود مع المزودين. أما بالنسبة للتأثيرات غير المباشرة فإن التضخم وتراجع الطلب العالمي وخاصة الأوروبي ستنعكس سلبا على الاقتصاد التونسي. 

هناك مفاوضات بين الحكومة وصندوق النقد الدولي، فإلي مدى يمكن أن تنجح في الحصول على التمويل؟

أولا لا بد من الإجابة على سؤال مركزي وهو هل يجب أن نتوجه إلى صندوق النقد الدولي للاقتراض؟ وفي اعتقادي أن على جميع الأطراف التحلي بالشجاعة اللازمة للإجابة عن هذا السؤال. لأن عدم الإجابة عنه، يعمق حالة عدم اليقين. فالواقع التونسي يقول أن الحكومة ذهبت فعلا إلى صندوق النقد الدولي مقابل موقف غير واضح من طرف رئاسة الجمهورية التي لم تعلن صراحة إقرار التوجه إلى الصندوق. واعتبر أن القبول الضمني بالتوجه نحو صندوق النقد الدولي ليس أمرا جيدا بل يجب أن يكون أمرا واضحا. وقد يفسر هذا الغموض عدم صدور موقف نهائي من القوى الاجتماعية وفي قدمتها الاتحاد العام التونسي للشغل من مسألة التوجه إلى الاقتراض من صندوق النقد الدولي. وفي رأيي الخاص انه وبقطع النظر عن الظروف والمسببات اتي أدت الى بلوغ الاقتصاد والمالية العمومية هذا الوضع فاني اعتقد علميا أنه لا مفر من التعامل مع صندوق النقد الدولي ليس للاقتراض والحصول على المال فقط بل لأنه يمثل شرطا أساسيا في التعامل مع الخارج والبنوك التنموية في الخارج الذي يستوجب إطارا اقتصاديا كميا معروفا. فالمؤسسات المالية العالمية ومنها البنك الدولي لا يمكن له التعامل مع تونس الا في ظل توفر الإطار الكمي المذكور الذي يصاغ في إطار اتفاق واضح مع صندوق النقد الدولي.

ولكن هناك من يرى أن التعامل مع صندوق النقد الدولي يطرح دائما مسألة الإملاءات والتوجهات التي لا تخدم مصلحة الشعب فما هو تعليقك؟

لتجاوز هذا الأمر، أي الوقوع في الاشتراطات والاملاءات، في اعتقادي أن بلادنا بمقدورها أن تذهب للتفاوض مع صندوق النقد الدولي ببرنامج تونسي-تونسي يأخذ بعين الاعتبار الوضع الحالي للاقتصاد التونسي والظرف الدولي خاصة بعد الحرب الأكرانية وتواصل الأزمة الصحية وصعود الأسعار على صعيد عالمي.

نحن قادرون على الذهاب ببرنامج تونسي- تونسي معقول ولا يقوم على التقشف

عبد الرحمان لاحقة

وهذا يعني أننا قادرون على الذهاب ببرنامج معقول لا يقوم على التقشف وعلى ضرب المكتسبات الشعبية، مع الإشارة أيضا الى أنه لا يمكن انتظار مكتسبات جديدة من البرنامج الاقتصادي الذي نقترحه.

وما هو تقييمك لبرنامج الحكومة الذي تقدمت به لصندوق النقد الدولي؟

من المؤسف القول أن برنامج الحكومة تضمن نظرة أرثودوكسية للأرقام وهو ما أنتج تصورا مغلوطا يهدف الى اصلاح المالية العمومية عبر ضرب المكتسبات الاجتماعية وسحق الناس. ورغم عدم ميلي لاستعمال الشعارات فان من المؤسف حقا ان أقول ان البرنامج لا يمكن له الا ان يسحق الناس. فالبرنامج يهدف الى خفض التداين وإصلاح المالية العمومية، على حساب الاجراء وعلى حساب الدعم المرتبط بسياسية التأجير في تونس وعلى حساب التعليم والصحة. وهذا الامر غير مقبول وغير معقول لأنه لا يتضمن أي اهداف تنموية. فالواضح ان الوثيقة التي تقدمت بها الحكومة هي خطة للسيطرة على الازمة وليس لتمهيد الظروف الملائمة للخروج منها والحال ان التونسيين ينتظرون التنمية بما تعنيه خفض الباطلة ورفع مستوى العيش وتحسين الخدمات الاجتماعية وتحسين تراكم الراس المال البشري عبر تطوير الصحة والتعليم. ويمثل تجميد الانتداب في الصحة والتعليم ضربا لتراكم راس المال البشري. وللعلم فإن وقف الانتداب لسنة واحدة في مجال التعليم سيؤدي إلى ضرب جودة التعليم لتلك السنة وهو ما لا يمكن تداركه الا في ظرف 06 سنوات.

ماهي أسس البرنامج الاقتصادي الذي تراها مجديا للخروج من الأزمة، وهل نحن بصدد منوال تنمية جديد؟

أنا لا أميل كثيرا لاستعمال كلمة منوال التنمية لان المنوال بالنسبة لي شخصيا يقوم على رسم ملامح التونسي التي أريدها أن تكون في  2040 ثم يتم وضع الخطط والبرامج التي تمكن من بلوغ تلك الغاية. فملامح التونسي التي يجب رسمها يجب تتضمن مثلا مستواه الدراسي ومضمون البرامج التعليمية التي تلقاها ومستوى دخله وطبيعة البيئة من هواء وماء وتراب ومدى سلامتها،

وطبيعة غدائه، ونوعية تكوينه الثقافي ومدى انفتاحه على محيطه واطلاعه على الثقافات. فعل سبيل المثال أبناؤنا ممن بلغوا خمس سنوات من العمر سيجتازون امتحان الباكالوريا بعد 14 سنة وسيتخرجون في حدود سنة 2040 هل انطلاقنا في اعداد الظروف الملائمة لتلك الأحداث؟

 هل يعقل أن يجتاز البكالوريا وهو مازال يدرس هذه المناهج؟ أما بالنسبة للبرنامج الاقتصادي القادر على التحكم في الأزمة والخروج منها فيجب أن يقوم على أربع أسس وهي:

التحكم في ازمة الدين العمومية تستوجب التجديد في هندسة الدين والتقليص من التداين الخارجي

عبد الرحمان لاحقة

أولا، عقلنة المصاريف دون ضرب المكتسبات الاجتماعية وذلك عبر ترشيد تطور المصارف ولا يجب أن يفهم هذا الكلام على أنه دعوة إلى خفض النفقات، بل على العكس هو دعوة الى التحكم العقلاني في تطور المصاريف بمعني ترشيد هذا التطور وحسن توظيفه.

وثانيا، تدعيم موارد الدولة عبر الإصلاح الجبائي وهو محور لم ينل حظه إعلاميا رغم أهميته. ومن الممكن ان نرفع الموارد الجبائية للدولة بنحو 04 مليار دينار سنويا وذلك بصفة تدريجية على مدى ثلاث سنوات. ومن المؤسف ان هذا الخيار المهم لا يجد له مكانات في سياسات الحكومة التي تسعى الى شراء السلم الاجتماعي مع المهنيين وأصحاب الاعمال الحرة على حساب خزينة الدولة. اذ من غير المفهوم ان ترفع الحكومة شعار مكافحة الفساد والحوكمة ولكنها تظل طيلة أشهر دون مبادرات للإصلاح الجبائي.

ثالثا، خطة للإنعاش الاقتصادي قطاعيا وجهويا. وهذا الأساس الاخير مهم لأنه مفتاح الخروج من الازمة. وفي اعتقادي ان تونس لا تملك أي فرصة للخروج من الازمة في حال لم تتمكن من ارجاع القطاعات الاستراتيجية وخاصة الفسفاط والطاقة لنسق الإنتاج العادي، وعلى من يحكم ان يتحمل مسؤوليته في حل الإشكاليات الاجتماعية المرتبطة بهده القطاعات التي ستخفف كثيرا الارتباط بالخارج.

ورابعا، يجب إعادة هندسة الدين العمومي. وهناك فكرة جماعية برزت في قسم الدراسات تقول بان الاقتراض يجب ان يكون في حدود العجز الخارجي وعلى ان يتم اقتراض حاجيات التمويل الأخرى من الداخل. وتشير الأرقام الى ان حجم التداين الخارجي لسنة 2022 يبلغ حوالي  12 مليار دينار في حين ان عجز الميزان الجاري يبلغ حوالي 06 مليار دينار وفي اعتقادنا ان الدولة مطالبة باقتراض هذا المبلغ الأخير من الخارج واقتراض البقية داخليا عن طريق سياسات نقدية أكثر مرونة. ومن البديهي ان تكون لهذه السياسة تكلفة وهي مستوى اعلى من التضخم ولكن الهدف الذي تحققه هو استدامة الدين العمومي والقدرة على التحم فيه ولذلك فاني من المدافعين عن ان لا يتجاوز الاقتراض الخارجي للسنة الحالية 06 مليار دينار او 07 مليارات اذا اردنا تخفيف الضغط عن الجهاز المالي التونسي. ولا بد من الإشارة في مجال التداين الخارجي الى وجود بدائل للدولة مثل لسندات الخضراء باعتباره تداين غير مكلف وهي استثمارات تجعل الاقتصاد ينخرط في حماية البيئة وتجنب مخاطر المناخية. وبشكل عام فانا ادعو الى احداث الوكالة التونسية للخزينة وهي فكرة قسم الدراسات بالاتحاد العام التونسي للشغل منذ سنة 2016 فهذه الوكالة في تقديري قادرة على حسن تسيير الدين عبر عدة تقنيات منها التوظيف قصير المدى في الأسواق المالية وحسن حوكمة الميزانيات ومن ذلك مثلا عدم صرف ميزانية مؤسسة عمومية دفعة واحدة بل صرفها على أقساط واستغلال بقية الموال في التوظيف وربح الأموال.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى يخضع لحقوق ملكية
إغلاق
إغلاق
Skip to content