مقالات

الغسيل الشعبي للأحزاب

فطين حفصية
صحفي

منذ 2011 طغت القوانين والسياسة في تونس على الفضاء العام باعتباره جملة أمكنة يلتقي في مساحاتها المختلفة النقاش حول مواضيع تتعلق بالمجتمع وحيزا من الحياة الاجتماعية الذي يجمع الأفراد والمجموعات للتفاعل في حواراتهم حول مسائل تهم صالحهم وتطارح الأفكار والمواقف والحلول حد أن دراسة جامعية حديثة بمعهد الصحافة وعلوم الإخبار خلصت مؤخرا أن النقاش القانوني والدستوري إلى نهاية نوفمبر الماضي استأثر مثلا بنسبة 87% من خطاب رئيس الجمهورية قيس سعيد منذ إعلان التدابير الاستثنائية وبما يقترب من 60% من تصريحات ثلاث مكونات رئيسية في المعارضة لهذه التدابير.

بهذا المشهد، غدت وجوه السياسيين الخبز الإعلامي اليومي للناخب ” الخام ” في كل المنابر الإعلامية المختلفة رغم كل التحولات السياسية التي شهدتها البلاد وبات المحللون والمعلقون أو ما يعرفون ب ” الكرونيكور” واجهة لتدفق المعلومات وقيادة الرأي وتأطير الجماهير “العذراء سياسيا” عملا بالمقولة الأرسطية “الإنسان اللاسياسي أسوأ الوحوش كلها”.

هذا “الطغيان”  في غابة السياسة ووحوشها بالمعنى التنافسي جر كل الطبقة السياسية  بمرور الوقت و دون إدراك  منها إلى “الموت الجماهيري” بسم سقته لنفسها عبر بناء ما يشبه الوصاية الفوقية على امتداد الشارع الشعبي الذي اختبر البضاعة السياسية المقدمة منذ أول انتخابات في 2011 إلى آخر انتخابات والابتعاد شيئا فشيئا بفعل حروب التدافع الملغوم عن هموم الناس حد الوصول إلى تدابير 25 جويلية الاستثنائية التي أنهت بطبعها بشكل مباشر وغير مباشر المعادلة التقليدية في البيئة السياسية وهي الاستماع إلى الأحزاب.

لقد نجحت لحظة 25 جويلية حقيقة في استغلال ذلك جيدا منذ البداية و في “نفي الأحزاب” عن الشارع الشعبي الواسع ليس قسريا بحظر أنشطتها أو التضييق عليها بل أنها أبعدتها عن محيطها الحيوي دون رصاصة قانونية أو إعلامية واحدة وهذا الاستنتاج لا يتطلب اجتهادا كثيرا أو مسحا إحصائيا علميا حين تتلمس الفضاءات التقليدية العامة وما يتداوله من في هذه الفضاءات عن الأحزاب والسياسيين الذين تصدروا المشهد وهم جلوسا في الحصص التلفزية والإذاعية أو وقوفا في بعض المناسبات الرمزية التي بالكاد ينظر إليها المواطن العادي المشغول بيوميات الحياة وتصاريفها الصعبة.

لقد اعتقد عدد من السياسيين في تونس أنهم بهذه العروض الإعلامية القوية سيكونون على رأس القرار والفعل والتأثير والحال أنهم لم ينزلوا من عليائهم ” الإعلامي ” إلا في مناسبات لماما تحركها اجتماعات حزبية ضيقة في المناسبات الانتخابية أو استعراضات منظمة مع عدد من النشطاء والمريدين عند بروز قضايا مجتمعية محل تداول عميق وخلاف واضح، وإثر أي سباق انتخابي لن تجد أثرا لهم أو لأي نشاط أو تواصل سياسي حزبي حقيقي في “الميدان” إلا في استثناءات قليلة تكاد تكون مجهرية في ساحة تشغلها قضايا متعددة.

 لقد أصيب هؤلاء حاكمين ومعارضين بحالة إنهاك استهلاكي أفقدتهم كل رأس مال إعلامي راكموه من خلال هذا الظهور المتكرر، وانقلبت المعادلة الهرمية من تأثير هذا المخاطب السياسي على المتلقي – المواطن- إلى بناء جدار من عدم الثقة حجرا بحجر منذ أن وصلنا إلى برلمان “الأذرع البدنية والكلامية” الذي أسقط بالضربة القاضية مثلما تقول قواعد رياضة الملاكمة ما تبقى من رصيد للأحزاب والسياسيين لدى هذا المواطن “المغلوب على أمره” سياسيا.

 كل ذلك يحيل إلى فهم الطريق السالك والسيار الذي مازال يسير فيه رئيس الجمهورية قيس سعيد لوحده منذ البداية رغم وجود طيف سياسي وحزبي واسع معارض وهو ما لم تدركه بعض أحزاب الموالاة إلى الآن وتفطنت إليه المعارضة بشكل متأخر بعد أن يأست بعض مكوناتها تماما من طريق التسويات الثنائية أو التوافقات الصورية المبنية على شبكة مصالح أو تحالفات انقضى زمنها بفعل الواقع والسياق وعناد التاريخ.

بل أن رئيس الجمهورية يمضي أبعد من ذلك باستنزاف ما تبقى من أواصر يمكن أن تجمع هذه المعارضات حول مشترك وطني في حده الأدنى فبتنا أمام أرخبيلات معارضة وسط المعارضة تنتظر اللحظة السانحة لاقتناص ما يمكن أن تأتي به مبادرة الرباعي في اتجاه تطويق حالة الاختناق السياسي الاقتصادي والاجتماعي والعودة من نافذة ما بين 24جويلية و25 جويلية كحل “برغماتي”.

وبالتزامن مع هذا الأمل المحمول على عقلنة الحوار وطرح الحلول والبدائل الواقعية تذهب الآن ساحة الخصام السياسي الواسعة بين سعيد ومعارضيه بشكل مباشر وغير مباشر إلى تحويل جزء كبير من هذا “الشعب” وعدد من مؤسسات الدولة في ذروة الأزمة السياسية الداخلية إلى وسائل ضغط وسلاح في معركة كسب النقاط ولعبة لي الذراع المتبادلة بعد أن كان الشارع الاحتجاجي والإعلامي هو عنوان الجولة الأولى بينهما إثر تدابير 25 جويلية.

سيكون هذا الأمر مكلفا جدا لو تواصل على هذا الحال لأن البلاد في حاجة إلى انطلاقة جديدة بعد حالة التيه للانتقال الديمقراطي المتعثر وتراكم الإكراهات وتتابع الأزمات، ولو تم إيجاد بداية الحل على الأقل فإنه يمكن وقتها الاتجاه إلى الحل المأمول أما إذا تواصل الدوران في دوامة العسر وجذب الأزمة نحو الأقصى فسنكون أمام حرب الكل ضد الكل بالمغنى الهوبزي الحقيقي للكلمة.

هذه الوضعية لخصها الفيلسوف فتحي المسكيني ورفيقة دربه في الحياة والكتابة كما قال أستاذ علم الاجتماع المولدي القسومي في كتابهما المشترك “الثورات العربية، سيرة غير ذاتية”《من أعلى نقطة في الثورة سقطت الحياة السياسية في الإسفاف الحزبي لطبقة سياسية مهترئة ومترددة وغرة في أنحاء كثيرة والنتيجة هي عزل الشعب التونسي عن غطائه الأخلاقي والثقافي والسياسي السابق وتركه لقمة سائغة أمام أي استبلاه جديد》والتاريخ هنا يرفض العناد. 

Skip to content