الاقتصاد الاجتماعي والتضامنيملفات

تجربة التعاضد في الستينات : السياقات و الاكراهات

توفيق الذهبي

يتميز المجتمع التونسي كغيره من المجتمعات بوجود تقاليد تضامنية عفوية في الحواضر و الأرياف علي حد السواء. وتميز بعض الدراسات بين الأشكال التضامنية في الفضاء الخاص ( الرغّاطة، التويزة) والأشكال التضامنية في الفضاء العام[1] من ذلك مثلا تولّي الفلاحين في الأرياف بصفة دورية انجاز أعمال مشتركة لا سيما خلال مواسم البذر والحصاد، وهي كلها أعمال تتجسّد خلالها القيم التضامنية. وتتمثّل المرأة التونسية هذه القيم التضامنية بعمق وتجسّدها بمناسبة إحضار “العولة” التي تتحوّل إلي نوع من الاحتفالية تتجدّد سنويا وتنتظرها النساء بشغف. هذه الأرضية الموضوعية مثلت حافزا لبروز مؤسسات الاقتصاد الاجتماعي و التضامني منذ عشرينات القرن العشرين حيث أسس محمد علي الحامي ورفاقه أولي التعاونيات[2] الاستهلاكية في 1924 “وقد تمكنوا من صياغة مشروع قانون “جمعية التعاون الاقتصادي التونسي” التي تم تكوينها فعليًّا بقاعة الخلدونية يوم 29 جوان 1924 وكان من بين أهدافها التخفيف من وطأة الأزمة الاقتصادية للعشرينات (ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة) وذلك عبر توفير مواد استهلاكية دون أسعار السوق”[3].

وتواصل إحداث مؤسسات الاقتصاد الاجتماعي و التضامني و لا سيما التعاضديات في الثلاثينات، ومثل نوعا من الاستجابة للحاجيات المتنامية للسكان للتزود بالحاجيات الأساسية في فترة ميزتها الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الحادة التي شملت العالم الرأسمالي وسائر المجالات المرتبطة به بما في ذلك مستعمراته.

وعلي غرار محمد علي الحامي، الذي بادر بتأسيس التعاونيات الاستهلاكية مباشرة بعد عودته من ألمانيا في 1924، لعب النقابيون دورا مميّزا في تأسيس التعاضديات . ففي الواقع ارتبط تاريخ الحركة التعاضدية في العالم بالحركة النقابية لا سيما وأنّ كلاهما يسعي إلي تبني ونشر قيم إنسانية كالتضامن والمساواة و مناهضة كل أنواع التمييز وتثمين ثقافة العمل والسعي إلي تحقيق المنفعة الاجتماعية … وتفسّر هذه التقاطعات بين القيم التعاضدية والنقابية اهتمام الاتحاد العام التونسي للشغل منذ تأسيسه في 1946 بالاقتصاد الاجتماعي والتضامني و تضمينه في البرنامج الاقتصادي والاجتماعي الذي أعده الاتحاد وتبناه الحزب الحر الدستوري الجديد بمناسبة انعقاد مؤتمر صفاقس في نوفمبر 1955، وهو ذات البرنامج تقريبا الذي سيجد طريقه إلي التنفيذ في الستينات من خلال ما تعرف ب”تجربة التعاضد”.

  • ما هي جذور هذه التجربة التعاضدية؟
  • ما هو السياق العام الاقتصادي والاجتماعي والسياسي لهذه التجربة؟
  • ما هي ملابسات نهاية التجربة التعاضدية؟
  1. ظروف تركيز التجربة التعاضدية في تونس

يعدّ تأسيس التعاضديات في تونس سابقا لحقبة الستينات فقد تكونت عديد التعاضديات في فترة ما بين الحربين ومباشرة بعد الحرب العالمية الثانية علي غرار تعاضدية كروم قرطاج UCCV الي تأسست سنة 1948 والتعاضدية الصفاقسية العمالية للانتاج COSOUP التي تأسست سنة 1957.

لقد لعب النقابيون دورا مهما في نشأة معظم التعاضديات، وساهم الاتحاد العام التونسي للشغل بنصيب مهم في رأس مال البعض منها علي غرار كوسوب التي بلغت فيها مساهمة الاتحاد حوالي 50 % من رأس مالها. ويعكس هذا الدور إيمان النخب النقابية بالاقتصاد الاجتماعي والتضامني كطريق للتنمية العادلة التي تنسجم والتطلعات العمالية والمجتمعية عامة نحو العدالة والرفاه الانساني. وهذه القناعة تفسر ما تضمنه البرنامج الاقتصادي والاجتماعي للاتحاد العام التونسي للشغل الذي طرح في مؤتمر 1954 من إبراز لأهمية التعاضديات في البناء المجتمعي الجديد لتونس المستقلة. ويعد انجاز البرنامج الاقتصادي والاجتماعي من أبرز دلالات الانخراط السياسي الوطني للاتحاد العام التونسي للشغل. وقد اعتبرت هذه الوثيقة بمثابة برنامج حكم سيدعي علي أساسه لاحقا الزعيم النقابي أحمد بن صالح للانضمام إلى الحكومة.[4] يذكر في هذا الإطار المناضل النقابي محمد كريم تفاصيل “الصفقة” التي حصلت بين الزعيم بورقيبة والقيادة النقابية، والمتمثلة في دعم الاتحاد العام التونسي للشغل للشق البورقيبي في صراعه ضد شق الأمانة العامة مقابل المصادقة على برنامج الاتحاد الاجتماعي والاقتصادي الذي تم تمرير أبرز مضامينه في لائحة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية لمؤتمر الحزب الحر الدستوري الجديد بصفاقس (نوفمبر 1955)[5].

ويعدّ التقرير الاقتصادي و الاجتماعي  المرجع النظري المباشر الذي ستقوم عليه التجربة التعاضدية التونسية في الستينات. وأكّد هذا التقرير على ضرورة مجابهة رأس المال الأجنبي الذي يستولي على موارد البلاد وهذا ما اعتبر في مقدمة التقرير خطوة رئيسية نحو استكمال المسار الاستقلالي، كما أكّد على أهمية إتباع الاقتصاد المسيّر بتخطيط تنجزه الدولة وتفرضه، اذ ورد في مقدمة التقرير:

“La revendication essentielle de l’U.G.T.T.dans son congrès de 1956 est l’élaboration d’un plan de développement économique et sociale.”

كما شدّد هذا التقرير على ضرورة اعتماد المجمعات التعاونية أو التعاضدية لوسائل الإنتاج التي تشرف عليها الدولة وتوزّع ثمارها على المتعاضدين كل حسب مساهمته[6].

وإجمالا يتنزل البرنامج الاقتصادي والاجتماعي للاتحاد في إطار تصوّر نقابي متكامل للدولة و المجتمع بعد الاستقلال، ويشدّد هذا التصور علي قيم العدالة والتقدم والديمقراطية الاجتماعية التي لا تتحقق إلا بتأميم أهم القطاعات الإنتاجية وتولي الدولة القيام بدور اقتصادي رئيسي علي حساب رأس المال الخاص : ” بالنسبة إلينا نحن التونسيون أن نؤمّم هو أن نعيد للدولة ما هو لها. بالنسبة إلينا نحن الشغالون أن نؤمّم معناه أن نوجّه استغلال الثروات ليس في رأس المال و لكن في صالح المنتجين أي الشغالين والشعب عامة “[7]  

في إطار هذه الرؤية النقابية تتنزل مضامين البرنامج الاقتصادي والاجتماعي والذي مثل المرجعية النظرية للسياسة التعاضدية في الستينات.

لقد واجهت وثيقة البرنامج الاقتصادي والاجتماعي بعد استقلال البلاد مباشرة رفضا من قبل السلطة الجديدة بقيادة الحبيب بورقيبة قبل أن تغير النخبة الحاكمة موقفها. وما يثير التساؤل هنا هو سرعة تحوّل بورقيبة من مناصبة العداء لأحمد بن صالح و”لميوله الاشتراكية” ( وتوضّح هذا العداء بالإيعاز للزعيم الحبيب عاشور بتأسيس منظمة نقابية موازية وهي “الاتحاد التونسي للشغل” قصد إضعاف الاتحاد العام التونسي للشغل و الدفع نحو تعويض بن صالح بأحمد التليلي في الكتابة العامة2) إلى تسليمه مفاتيح الدواليب الاقتصادية للبلاد.

و يمكن تفسير هذا التحول في موقف بورقيبة بعوامل عديدة أبرزها :

  • فشل التجربة الليبرالية (1956 – 1961) ، والخيبة التي  واجهها بورقيبة من الرأسماليين التونسيين الذين نقد فيهم الخوف والتشبث  بالعادات والتقاليد، فبين1959 و1962 لم تتعد نسبة النمو الاقتصادي السنوي 3,5% .
  • بحث الرئيس بورقيبة عن مبرّر لتمرير قناعاته السياسية ( الحزب الواحد والحكم الفردي) فاختيار النظام التعاضدي وتنزيله في إطار الاشتراكية الدستورية  يسوّغ اختيار نظام الحزب الواحد وإحكام مراقبة المجتمع المدني تحت شعار” الوحدة القومية ”، لتتحوّل كل معارضة إلى خيانة للعقيدة الاقتصادية والسياسية في الآن نفسه. وما يرجّح هذا التوجّه مسارعة الحزب الدستوري الحاكم إلي استثمار المحاولة الانقلابية الفاشلة سنة 1962 لحضر الحزب الشيوعي و ما تبقي من الحزب الدستوري القديم في مطلع سنة 1963[8]. وسيبلغ هذا المسار ذروته في مؤتمر الحزب في أكتوبر 1964 ببنزرت الذي أقر سياسة الحزب الواحد الذي أصبح يسمي الحزب الاشتراكي الدستوري، وهو توجه اعتبره الزعيم أحمد التليلي في رسالته الشهيرة من منفاه الاختياري إلي الرئيس بورقيبة مطلع سنة 1966 بمثابة ” الضربة القاضية ” للديمقراطية و الحزب الحاكم[9].
  • سعي بورقيبة إلى كسب الموظفين إلى صفه عن طريق أحمد بن صالح الذي يمثل قوة هذه الفئة من الشعب داخل الاتحاد العام التونسي للشغل.

وسيكون لمختلف هذه المعطيات السياسية بالغ الأثر في تطوّر التجربة التعاضدية في الستينات.

  1. تجربة الستينات التعاضدية

ارتبطت التجربة التعاضدية في الستينات بشخصية المناضل النقابي والسياسي أحمد بن صالح. انضم أحمد بن صالح مبكرا للعمل السياسي الوطني ضمن الحزب الحر الدستوري الجديد حيث نشط في الشبيبة الدستورية. وبعد حصوله على الشهادة الثانوية، توجّه إلى باريس لدراسة الآداب العربية بجامعة السربون لمدة 3 سنوات بين 1945 و1948 ، وقد ترأس في باريس الكتابة العامة لشعبة الطلبة الدستوريين. وعندما عاد ليشتغل مدرّس لغة عربية بسوسة انظم إلي الاتحاد العام التونسي للشغل بداية من 1948، وفي 1951 كلّفه الزعيم فرحات حشاد بتمثيل المنظمة النقابية في الجامعة العالمية للنقابات الحرة (CISL). وفي 1954 تولي الأمانة العامة للاتحاد العام التونسي للشغل.

في الحقل السياسي ترشّح أحمد بن صالح على قائمة الجبهة القومية  في انتخابات المجلس القومي التأسيسي عام 1956، وأعيد انتخابه في مجلس الأمة عام 1959 و 1964 و1969. انضمّ لحكومة الحبيب بورقيبة منذ عام 1957 بتولّيه حقيبة الصحة،

ahmed ben salah

وذلك قبل توليه الإشراف على الوزارات الاقتصادية ليقود تجربة التعاضد حيث وخلال السنوات الفاصلة بين سنة 1957 و1968 مرّ أحمد بن صالح على خمس وزارات؛ الصحة، والشؤون الاجتماعية، والتخطيط والمالية، والاقتصاد، والفلاحة، وقد لقّبه رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق إدقار فور بـ”وزير كل شيء”[10]، ثم أُضيفت إليه وزارة التربية في جويلية 1968. [11]

انطلق الرجل القوي والذي يحظي بإعجاب و دعم الرئيس بورقيبة في تنفيذ تجربة التعاضد مستفيدا أيضا من البرنامج الاقتصادي والاجتماعي للاتحاد العام التونسي للشغل . وانطلقت التجربة من القطاع ألفلاحي، وكانت تتنزل ضمن رؤية شاملة لإنهاء استعمار الأراضي الزراعية. حيث تم إنشاء أولي التعاضديات الفلاحية سنة 1962 على الأراضي التي استرجعت من المستوطنين الفرنسيين وغيرهم من الأجانب والتي آلت لاحقا إلى ديوان الأراضي الدولية. وقد شرح الوزير أحمد بن صالح أبعاد هذه الخطوة موضحا “أنه كان ينبغي منع توزيع الأراضي التي تم استرجاعها من المستوطنين بين الفلاحين فرادى بسبب الحاجة إلى حل قضية استغلال الأراضي الصالحة للزراعة”. لقد استهدفت عملية إنشاء تعاضديات الإنتاج ألفلاحي في المقام الأول صغار المزارعين الذين لا تزيد مساحة أراضيهم عن 3 هكتارات، والأراضي المتوسطة الحجم وأراضي الدولة. كان المنطق في هذا التمشي هو تجميع الأراضي معا في شكل تعاضديات فلاحية من أجل إيجاد مساحات كافية وضمان إدارة جماعية أكثر كفاءة وإنتاجية.
من ناحية أخرى، لم يقتصر حينها التصوّر العام لموضوع التعاضد على البعد الإنتاجي أو التقني البحت، بل كان ينظر إليه على أنه أداة حقيقية للتحرر ولتحقيق العدالة الاقتصادية والاجتماعية. رؤية وصفها الوزير المشرف على التجربة حينها أحمد بن صالح قائلا؛ “لقد تم تصور التعاضدية على أنها فضاء جديد، ومجتمع جديد لا ينبغي أن يكون فيه من يَسحق ومن يُسحق”[12]

ارتفع نسق إحداث التعاضديات الفلاحية بعد صدور القانون عدد 19 لسنة 1963

وبلغ عددها في أوت 1969 1762 تعاضدية فلاحية تمسح قرابة 4110000 هكتار. والتعاضديات أنواع : تعاضديات إحياء وإنتاج وتعاضديات خدمات وتعاضديات استغلال المناطق السّقوية وتعاضديات التوضيب والتمويل[13]. وكانت هذه التعاضديات خاضعة لتسيير الدولة عن طريق موظّفيها في الجهات ويبدو أن هذا التسيير كان سطحيا في الكثير من التعاضديات..

وقد انطلق مسار إرساء سياسة التعاضد ببعث تعاضديات إنتاج نموذجية على أراضي الدولة، ثم تجميع صغار الفلاحين في إطار تعاضديات إنتاج مماثلة إلى جانب تعاضديات خدمات بهدف تعصير طرق الإنتاج وتشغيل اليد العاملة.

ولم يقتصر المسار التعاضدي علي الفلاحة حيث وقع تجميع عديد التجار في تعاضديات. ( تجارة المواد الغذائية والبيع بالتفصيل…) والإشراف عليهم، ولم يقبل كبار التجار بكثرة على الانخراط  في هذه التعاضديات التجارية الكبرى التي ركزتها الدولة.[14]

وفي إطار نفس السياسة أحدثت أقطاب صناعية بالجهات الداخلية خصوصا علي غرار مركب عجين الحلفاء بالقصرين و المركب السكري بباجة ومصنع الفولاذ ببنزرت. كما تم في إطار نفس الرؤية بناء المركب الجامعي والمركبات الرياضية.

  • نهاية التجربة التعاضدية

علي نقيض الانطباع العام السائد بفشل تجربة التعاضد يمكن الإقرار بان هذه التجربة حققت عديد المكاسب لعل أبرزها :

  • انجاز مشاريع صناعية كبرى في مجالات التعدين والكيمياء والتحويل الزراعي لا سيما في المناطق الداخلية (باجة، القصرين …)
  • تشييد العديد من المؤسسات التعليمية في كل جهات البلاد بما في ذلك المناطق الغابية والجبلية البعيدة عن المركز والحرص علي توفير خدمات تعليمية مجانية وذات جودة بما جعل من التعليم مصعدا اجتماعيا حقيقيا .
  • تأميم أراضي المعمرين وإحكام التصرّف فيها عبر إحداث ديوان الأراضي الدولية. كما استخدم جزء من هذه الأراضي لبناء أولي التعاضديات الفلاحية.
  • الشروع في انجاز بنية أساسية متطورة ضمن رؤية لتعصير الفلاحة ومحاولة التقليص من ارتباط النشاط الزراعي بالعوامل الطبيعية، وفي هذا الإطار تتنزّل عمليّة بناء السدود تمهيدا لإحداث مساحات سقوية خاصة بمنطقة حوض مجردة.
  • تحقيق نسب نمو نسب نمو اقتصادي هامة نسبيا حيث بلغت %5,3 بين    1960 و 1971 رغم الظروف الطبيعية غير الملائمة.

غير أن هذه المكاسب تعد محدودة مقارنة بالانتظارات الوطنية ولا سيما مقارنة بالأهداف المضبوطة في وثيقة الأهداف العشرية للتنمية ويرتبط ذلك ب :

  • أسباب سياسية، فمباشرة بعد الاستقلال عاشت البلاد مرحلة تحررية عرفت خلالها انتخابات تأسيسية ( 25 مارس 1956 ) وتشريعية ( 1959 )، قبل أن ينحو النظام منحي استبداديا حيث تمّ حظر الأحزاب والصحافة الحرة بداية من 1962 ممهدا بذلك التحول باتجاه نظام شمولي بعد مؤتمر الحزب الحاكم في أكتوبر 1964 ببنزرت والذي أقر نظام الحزب الواحد. واستفحلت حرب المواقع بين أبرز أركان هذا النظام و لا سيما علي موقع الشخصية الثانية في النظام التي تخول خلافة محتملة للرئيس بورقيبة. في هذا المناخ الاستبدادي كان الزعيم صالح بن يوسف مستهدفا من قبل أكثر من طرف داخل الحكومة و الحزب الاشتراكي الدستوري الحاكم الذي سعي وفق عديد الشهادات إلي الإطاحة بالرجل عبر إفشال تجربة التعاضد . يورد في هذا الخصوص الهادي البكوش[15] شهادة في برنامج شاهد علي العصر بقناة الجزيرة[16] مفادها أنّ عبد الله فرحات[17] وأخوه الوكيل العام للجمهورية محمد فرحات شجعوا الفلاحين في الساحل علي الاحتجاج رفضا للسياسة التعاضدية، والدافع كان سياسيا ،فوفق بعض مراكز القوي في الحزب الاشتراكي الدستوري الحاكم كان احمد بن صالح يسعي إلي أن يكون الشخصية الوطنية الثانية.
  • اعتبار التعاضد الذي شمل في البداية صغار الفلاحين والتجار تهديدا حقيقيا لمصالح الأرستقراطية الفلاحية وطائفة من السلطة السياسية. وفي هذا السياق، انتعشت حملة دعائية منظمة تساوي المشروع التعاضدي بـ“الإشتراكية” و”إلغاء الملكية الخاصة” ضمن مسار من الضغوط الهادفة إلى إفشال وإسقاط هذه التجربة.[18]
  • الطابع الفوقي للتجربة التعاضدية حيث لم يقع تشريك الفاعلين الحقيقيين في تصور وتركيز التعاضديات وفق الاحتياجات الحقيقية وهو ما أعطي انطباعا عاما بأن التعاضديات هياكل مفروضة من نظام الحكم و غريبة عن الفاعلين المحليين من تجار وفلاحين وهو ما يفسر لجوء الكثير منهم إلى ذبح قطعانهم من المواشي أو بيعها بأبخس الأثمان كي لا تتسلمها الدولة. كما لجأ البعض إلى انتهاج التخريب والسرقة في التعامل مع التعاضديات الفلاحية والتجارية. هذا فضلا عن مزيد استشراء ثقافة رزق “البايليك” التي أدّت إلى التقاعس عن العمل والإنتاج.
  • غياب الشروط الديمقراطية الدنيا في تسيير التعاضديات التي تخضع إدارتها إلي تعيينات حزبية فوقية ، و تغيب فيها المحاسبة علاوة علي عدم احترام مبدأ الأبواب المفتوحة و غياب الاستقلالية.
  • هيمنة البيروقراطية في البلاد فبينما كان أصحاب الأملاك وخاصة الصغار منهم يتخلون عن ممتلكاتهم لصالح التعاضد كان الموظّفون يصعدون في سلم الحياة الاجتماعية والسياسية بسرعة منتفعين بما باتوا يزاولونه من سلطة في التسيير والتأطير وهو ما زاد من نقمة الأغلبية الساحقة  من الملاّكين على السياسة التعاضدية.
  • الصعوبات الطبيعية، فالي جانب انحباس الأمطار خلال مواسم زراعية متعاقبة لا سيما في النصف الثاني من الستينات اجتاحت البلاد فيضانات مدمرة في أواخر سبتمبر 1969 عمقت الأزمة الاقتصادية في البلاد عامة وفي القطاع ألفلاحي بصفة خاصّة .

لم يفضي إنهاء تجربة التعاضد سنة 1969 ومحاكمة القائمين عليها وفي مقدمتهم احمد بن صالح إلي التوقف النهائي للاقتصاد الاجتماعي و التضامني الذي صمد من خلال تواصل بعض التعاضديات الناجحة التي تحقق أرقام معاملات محترمة . وعاد الاهتمام دوليا ووطنيا بالاقتصاد الاجتماعي ارتباطا باستفحال أزمة اقتصاد السوق الكلاسيكي و تنامي الحاجة إلي حلول اقتصادية واجتماعية تستند إلي منظومة قيم تجعل من الإنسان أولوية مطلقة ومن الرفاه الاجتماعي غاية كل نشاط اقتصادي. من ناحية ثانية بينت تجربة الستينات التعاضدية أهمية العوامل السياسية في تحديد مالات التجارب التعاضدية ومؤسسات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني بصفة عامة، حيث لا يمكن أن يكتب لهذا النموذج المختلف من الاستثمار النجاح في ظل الأنظمة الاستبدادية وهيمنة الفردانية، وفي غياب الديمقراطية وثقافة المواطنة.

[1] الطرابلسي (صفوان) الاقتصاد الاجتماعي و التضامني ظاهرة ذات جذور اجتماعية و تاريخية عميقة ، المفكرة القانونية عدد 19 ، نوفمبر 2020

[2] الحداد ‘ الطاهر) ، العمال التونسيون و ظهور الحركة النقابية ، دار صامد للنشر و التوزيع ، صفاقس 1997 ، ص 45.

[3] الطرابلسي (صفوان) الاقتصاد الاجتماعي و التضامني ظاهرة ذات جذور اجتماعية و تاريخية عميقة … مصدر مذكور سابقا

[4] الاتحاد العام التونسي للشغل بين النقابي و السياسي أو من النقابي الي السياسي ؟ ، مركز الدراسات الاستراتيجية و السياسية CSDS ، 13 ديسمبر 2018

[5] Kraiem (Mohamed) : Feuillets d’une vie. Du Mouvement Syndical au Gouvernement. Tunis, L’Or du Temps, 2013, pp. 147 – 148

[6] Ben Hamida (Abdessalem), capitalisme et syndicalisme en Tunisie, éd. Université de Tunis, Tunis, 2003, p441-468

[7] حوار أحمد بن صالح مع جريدة لوموند بتاريخ 15 مارس 1956 ، أوردة منصر ( عدنان) الدر و معدنه ، الخلافات بين الحزب الدستوري و الحركة النقابية 1924 – 1978 ،جدلية التجانس و الصراع ، المغاربية لطباعة و إشهار الكتب ،تونس 2010 .

[8] تونس عبر التاريخ،الجزء الثالث، مؤلف جماعي ، مركز الدراسات و البحوث الاقتصادية و الاجتماعية، تونس، 2007، ص188و189.

[9] أحمد التليلي ، في سبيل الديمقراطية ، مطبعة تونس قرطاج ، تونس 1991 ، ص 17 .

[10] النابلي (ياسين) ، أحمد بن صالح وتجربة التعاضد: السّير الأعرج وراء مزمار بورقيبة ، المفكرة القانونية عدد 19 ، تونس 2020 نوفمبر .

[11] المنصوري (سالم) ، أحمد بن صالح و زمانه ، دار نرفانا ،تونس 2018

[12] شهادة أحمد بن صالح السياسية، إضافات حول: نضاله الوطني والدولي”، عبد الجليل التميمي، منشورات مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات، زغوان- تونس 2002.

  • حوارات مع أحمد بن صالح” (باللغة الفرنسية)، نورة البورصالي، تونس، 2007.
  • حوارات مع أحمد بن صالح حول الديناميكية الاجتماعية في تونس في الستينيات” (باللغة الفرنسية)، مارك نرفين، باريس، 1974

[13] القطاع الفلاحي في تونس ، الموسوعة التونسية http://www.mawsouaa.tn/wiki

[14] التيمومي (الهادي) ، تونس1956-1987، دار محمد علي الحامي، تونس،2006 ، ص.92  و93.

[15] الوزير الأول بين 7 نوفمبر 1987 و سبتمبر 1987

[16] شهادة الهادي البكوش الوزير الأول التونسي الاسبق في برنامج شاهد علي العصر علي قناة الجزيرة https://www.youtube.com/watch?v=aIle68eQb4U

[17] وزير النقل و الاتصالات ( 1964 – 1969 )

[18] العبيدي ( وسيم ) ، ديناميات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في تونس: تاريخ من التوظيف والتطويع ، المفكرة القانونية ، مرجع مذكور …..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى يخضع لحقوق ملكية
إغلاق
إغلاق
Skip to content