مقالات

حول دسترة المنوال التنموي: لا يمكن للثابت احتواء المتحرك

طارق السعيدي
صحفي

هل يمكن حقا دسترة المنوال التنموي؟ 

يُطرح هذا السؤال بإلحاح بعد أن ذكرت مصادر إعلامية أن الدستور الجديد قد يتضمن التنصيص على دسترة منوال التنمية الاقتصادي التونسي. وبقطع النظر عن جدية الخبر من عدمه فإنه من الضروري الحديث في الأمر ذلك أن المغالاة في الحديث عن علاقة الدستور بالاقتصادي قد تدفعنا من حيث لا نعلم في اتجاهات شبيهة بالدسترة. وإذا كان من المهم أن يتطرق الدستور إلى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وأن ينظمها فإنه من المبالغة الذهاب إلى حد دسترة منوال تنمية نظرا لما في الأمر من تعقيدات ولما يطرحه الموضوع من إشكاليات على المستوى الاقتصادي كما السياسي.

المنوال الجاهز؟

إن منوال التنمية يمثل موضوعا رئيسيا في النقاش العام والخاص الذي خاضه التونسيون خلال العقود الثلاث المنقضية ورغم ذلك فقد فشلنا بعد “الثورة” فشلا ذريعا في تحديد ملامح هذا المنوال التنموي المشترك الذي نسعى إليه جميعا نظرا لعدم التجانس بين الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعين، وبين الفاعلين السياسيين، والدولة التي تحصنت بمقولة الاكراهات لتفرض طيلة سنوات عشرة خيارات لا شعبية وبرامج لا تخضع للتصورات. وعلى طرف نقيض من الدولة تحلى الفاعلون الاجتماعيون بالقدر المطلوب من العقلانية بالدعوة إلى الحوار الوطني الشامل حول هذا المنوال حتى نضمن منوالا ناتجا عن الإرادة المشتركة وقابلا للتجسيم. وعلى اعتبار أن منوال التنمية المنشود تونسيا ليس موجودا ولم يتم أصلا نقاشه نقاشا علنيا سواء حصل حوله التوافق أو لا فإن الحديث عنه بوصفة معطى ثابتا داخل الواقع يثير الكثير من الإشكاليات السياسية. 

إن الحديث عن دسترة المنوال التنموي يختزن في طياته أن هناك منوالا تنمويا جاهزا وأن هذا المنوال سيدستر دفعة واحدة دون إمكانية النقاش حوله وهو أمر لا يخدم مصلحة المنوال التنموي ولا مصلحة الاقتصاد ذلك أنه سيفتقد الدعم الضروري لتجسيده وانجاحه. وبعيدا عن المنطق السياسي الذي لا يجب أن يقوم على الامر الواقع فإن المنطق الاقتصادي يحتم ضرورة التشاور الواسع حول أي خيارات اقتصادية من أجل ضمان تجسيدها على الواقع.

الدعاية والاعداد

إن نجاح أي سياسة اقتصادية يستوجب بالضرورة انخراط الفاعلين الاقتصاديين فيه وهو ما يعني ضرورة الدعاية له من طرف الدولة ذلك أن الاقتصاد هو في الأخير محصلة لمجموع سلوك الفاعلين الاقتصاديين فإذا كان هذا السلوك غير ملتصق بأهداف السياسية الاقتصادية كان مصيرها الفشل. فالفعل الاقتصادي وفق جون مايوناركاينر، يقوم على الاستباق، القائم على تحليل مجموع المعطيات الاقتصادية وفي حال نقص المعطيات أو حجبها يكون الفعل الاقتصادي محكوما بالتشوش والقصور ويكون الاستباق مغلوطا مما يؤدي إلى الخلل الاقتصادي. ولذلك فإن أهم مرتكزات التوازن الاقتصادي عند الكاينزيانيين هي شفافية المعلومة باعتبارها ضمانة لتساوي الفرض وللمنافسة النزيهة بين الفاعلين الاقتصاديين. ولذلك فإن عنصر الدعاية والتشاور وحشد الفاعلين حول أهداف السياسات يمثل عاملا مهما في نجاحها وعلى هذا الأساس فإن النجاح في تحقيق المنوال التنموي يستوجب بالضرورة النقاش حوله والدعاية له قبل المغامرة بتضمين مبادئه في الدستور ذلك أن الحديث عن دسترة المنوال التنموي برمته لا يصح منطقيا وعقليا. إن مسألة دسترة منوال التنمية تطرح إشكالية منطقية وهي أن النص الجامد الثابت الذي يفترض أن يدوم للسنوات الأربعين المقبلة، وفق رئيس لجنة اعداده، لا يمكنه احتواء سياسات تخضع للمتغيرات وقابلة للتعديل في كل لحظة. وقد يكون من المناسب التذكير بتعريف المنوال التنموي حتى يتسنى لنا إدراك أنه لا يمكن احتواؤه ضمن نص ثابت.

إن تقديم تعريف محدد مختصر لمنوال التنمية يعتبر مغامرة على اعتبار تعدد المدارس والأطروحات الاقتصادية والاجتماعية والفلسفية المؤطرة لمفهوم منوال التنمية ولذلك فسنكفي بتعريف برنامج الأمم المتحدة للتنمية الذي نعتقد أنه يستجيب للحد الأدنى الضروري الذي يمكن من فهم هذا المفهوم. فمنوال التنمية وفق برنامج الأمم المتحدة “هو خارطة عمل من أجل تنمية الشعب وهو الإطار المرجعي الذي يتم الاستناد إليه لوضع السياسات العمومية.” وخارطة العمل هذه يتم تحديدها وفق معطيات اللحظة الراهنة وتوقعات المدى المتوسط والبعيد. غير أن معطيات اللحظة الراهنة أصبحت في هذا العالم المضطرب، شديدة التغير، وبالتالي فإن كل السياسات وكل المخططات خاضعة لمنطق التغيير الدائم والفجئي. إن دسترة منوال التنمية في ظل واقع متغير يعقد عمل الحكومة التي قد تجد نفسها عاجزة عن التفاعل مع قضية اقتصادية واجتماعية أو تقنية بفعل قيود الدستور وبالتالي فإنه من المنطقي والعقلي أن لا تتم دسترة منوال تنمية برمته.

السياسي والاقتصادي

إن السعي إلى تضمين المنوال التنموي في الدستور فعل سياسي بامتياز ولا علاقة له بالاقتصاد ويبدو أن من صاغ الدستور الجديد أراد الدعاية له عبر إيجاد نقطة ارتكاز جوهرية وهو أن الدستور الجديد  يهتم بالشأن الاقتصادي وأنه يخصص له الحيز الضروري بل ويدستر المنوال التنموي في حين أن الدستور القديم مفعم بالحقوق والحريات ولكنه لا يتحدث عن جوهر الموضوع وهو حياة الناس أي الجانب الاقتصادي ويتجسد هذا الموقف بوضوح إذا ما عدنا الى خطاب السيد الصادق بلعيد الذي أعلن في أولى ظهوراته الإعلامية أن دستور 2014 لا يتضمن كلمة اقتصاد بما يعني أنها نقيصة كبرى. وقد تمثل هذه النقيصة الكبرى نقطة ارتكاز للدعاية للدستور الجديد.

إن تضمين الجوانب الاقتصادية في الدستور منح الاقتصادي والاجتماعي ما يستحقه في الدستور من مساحة، مسألة مهمة. إذ يجب أن يتضمن الدستور الجديد التنصيص الواضح على الحق في الحياة في بيئة سليمة والحق والتعليم المجاني والصحة والعلاج المجاني والنقل وحرية الاستثمار والشغل والإضراب والعمل النقابي والملكية الخاصة والملكية الفردية. كما يجب أن ينص الدستور على وواجبات الدولة تجاه الأفراد اقتصاديا واجتماعيا وواجباتهم تجاهها كل ذلك دون التورط في تقييد الفعل الحكومي والممارسة الاقتصادية بدستور قد تفرض متغيرات الواقع ما يناقضه.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى يخضع لحقوق ملكية
إغلاق
إغلاق
Skip to content