مقالات

راضية النصراوي … راهبة النضال

فطين حفصية
صحفي

راضية النصراوي تشغل الناس هذه الأيام لا بمرافعاتها المدوية كما العادة إنما بإشاعة وفاتها ومرضها المركب الذي تعالج منه في المستشفى العسكري، التونسيون “القافزون” بين فقدان الزيت النباتي، وغلاء اللحوم البيضاء وعدم بث مقابلات البطولة  ويوميات الفصل 80  وتحول المسرح البلدي أسبوعيا إلى ميدان “ترافلقار” اللندني ألقوا  بذلك خلفهم لساعات، تداعوا بقلب مفتوح لقول : يا رب.

لم تحب راضية النصراوي، وهي على أبواب عيدها الثامن والستين، الحياة تحت الصفر.  أحبت فقط هدنة مؤقتة لمعاركها المفتوحة دون أن يمنحها عداد الزمن استراحة المحارب على الجبهة، فقبيل 17 ديسمبر 2010 مثلا كانت تجهز نفسها لعطلة “خارقة للعادة ” خارج البلاد إثر إجهاد كبير وصراع طويل مع هراوة البطش، ما إن عزمت لتتوكل لم تتركها تونس فأسست لجنة مساندة أهالي سيدي بوزيد، ومضت في نشيدها النضالي اليومي.

عند الوصول إلى تاريخ  14 جانفي 2011  حيث البحث عن الخلاص كانت مع خيوط الشمس الأولى قبالة المجال الحيوي للنظام المتهاوي، فمن الضروري أن ترتب المعاني والنهايات، قلب إصبعها المرفوع يومها في وجه مسؤول أمني رفيع للمطالبة بالإفراج عن حمة الهمامي زوجها المختطف في أقبية الداخلية نمطية المكان من خافوا إلى : لا تخافوا 

تقول في شهادة تلفزية لها حول تلك الصورة التاريخية  في مواجهة “الحاكم “: 《لقد استشعرت لأول مرة رهبة معاكسة》 وإثر مظاهرة شارع الحبيب بورقيبة تم تشييع الثقافة الرسمية للخوف إلى مثواها الأخير.

ولراضية وحمة قصة حب فريدة على يسار هذا الحب، ظل مشترك منذ تعارفا في زحام الحركة الطلابية المتوهجة وحركة فيفري المجيدة، حين كان تنظيم العامل التونسي يتسيد الجامعة  التونسية واليسار  الجديد يبني أحلاما لا تنتهي،  تلتهم الشبيبة كراريس الثورة البروليتارية القادمة بشكل ألذ من الحلوى، وتبحث عن مقعد النضال من سجن إلى سجن وسرية إلى سرية بدل مقعد السلطة.

لما كانت فصيلة دمهما حمراء في الإيديولوجيا نقلاها إلى بيضاء في السوسيولوجيا بالزواج  سنة 1981 وقد خرج حمة منهكا قبلها  من “دروس تطبيقية للبوليس”  في التعذيب  الذي نذرت كل مسارها  للاشتغال عليه  بعد دخولها المحاماة سنة 1975،  تدفع بخجل طفلة صغيرة بالتأكيد أن《 أفضل يوم في حياتهما هو اليوم الذي تصارحا فيه  بالحب ولجئا إلى قفصه الذهبي المفتوح.

عنوان جامع للجمع 

لا تجد في راضية  أجزاء أو أنصافا  أو  أقساطا فالحقوقي ” دفعة واحدة أو لا يكون”  إذ هي  يد مبسوطة للدفاع عن الجميع  بكل ما أوتيت من “لسان رخيم “،  فأسست لوحدها “الكتلة التاريخية”  بأن جمع مكتبها ملفات الدفاع عن اليساريين والإسلاميين والقوميين  والليبيراليين والحقوقيين والنقابيين والطلبة، وثانية اجتماعية بتبنيها لقضايا المنتفضين والمهمشين والمعدومين والمفروزين والمعذبين ممن لا ظل لهم.

تختصر مؤسسة أول جمعية تونسية لمناهضة التعذيب سنة 2003 بفخر كبير خبزها اليومي في الدفاع عن الكل بالتأكيد على أن المدافع عن حقوق الإنسان الحقيقي هو الذي يدافع على الأفراد الذين لا يتفق معهم لأن دفاعه على من يتفق معهم سيكون بشكل آلي وبديهي.

ولا يحتاج “ترافعها التطوعي الأبدي”إلى أدلة تبدو -وفيرة كالنمل- ففي العام الكبيس 2008 استدرجتها جبال الفسفاط إلى مقارعة “العدو الكلاسيكي” حين زج بعشرات القيادات في انتفاضة الحوض المنجمي في السجن بعد محاكمات صورية، فكانت تخيط المسافات من العاصمة نحو ولاية قفصة وتفصل جملا دفاعية من قاع المعركة القضائية غير المتكافئة.

 يفيد أحد سجناء الانتفاضة  في شهادة له أن الشهيد شكري بلعيد الذي كان ضمن فريق الدفاع ويستمع بانتباه لما تقوله النصراوي ظل يتمتم بكلمات مفهومة في قاعة المحكمة 《ووا واو  ملا راضية منين تجيب فيه ها الكلام》 في حين قال زعيم المعارضة وقتها أحمد نجيب الشابي 《لا أترافع قبل راضية》 1 شهادة مدونة لعبيد الخليفي.

لا تسلم راضية مساحة حقوقية فارغة منذ  توغلها في معارك الحقوق والحريات  فهي “أم الميدان” بعيدا عن الصالونات المخملية تزور السجون ومراكز الإيقاف، وتحرر التقارير الدورية والسنوية حول آفة التعذيب،  وظلت تسعى لأجل ترسيخ مكافحتها في التمثل الذهني الجماعي من الناشئة إلى المنتظرين لساعة المغادرة. 

إضرابات الجوع تشبع 

لم تترك النصراوي رئيس دولة ممن انتخبوا أو أتى بهم الدستور الصغير والكبير إلا وبسطت له مباشرة أو بصفة غير مباشرة ضرورة تكريس ثقافة حقوق الإنسان وحماية الذات البشرية واحترامها، وتبدو إضرابات الجوع سلاحها الاحتجاجي الدائم عندما صرحت في صيف 2017 أنها لم تكن تتوقع أن تلجأ مرة أخرى إلى “أبغض الحلال البدني” لمدة 45 يوما للمطالبة بتوفير حماية أمنية متكاملة ولصيقة لرفيقها المهدد بالاغتيال.

ولما كانت المعارضة التونسية زمن الرئيس الراحل زين العابدين بن علي تعتمد استراتيجية هذه “المقاومة السلبية” لإحراج النظام والضغط عليه فإنها خاضت إضراب جوع قاتل بشهر وأسبوع صائفة 2002  إثر محاكمة زوجها الناطق الرسمي باسم حزب العمال الشيوعي التونسي وقتها ورفاقه قبل أن تكون سنة 2005  نواة  مؤسسة  لهيئة 18 أكتوبر  للحقوق والحريات التي جمعت المضادات الإيديولوجية من يساريين واسلاميين وقوميين في تحالف نادر لمحاولة خلخلة جدار آخر في أسس النظام، ولم تترك إضراب جوع رمزي أو معنوي  لقضية ما الا و” اندست” صلبه تأييدا ومناصرة.

وإذا شبعت إضرابات جوع لأجل حقوق عامة وفردية فإنها شبعت جوائز رمزية ومادية أهمها أنها كانت من بين الثلاث الأوائل لجائزة نوبل في العام 2011، وفي نفس السنة حصلت على جائزة رولاند بيرغر للكرامة الإنسانية من ألمانيا، وتم منحها جائزتي أولوف بالم لحقوق الإنسان السويدية عام 2012  وكمال جنبلاط اللبنانية.

يقول الشاعر محمد الصغير أولاد أحمد الذي تحبه راضية كثيرا وكان يحب رضاها أكثر :《المعركة كلها تدور حول طول وجود هذا الجسد على الأرض، في ذاكرة البشر》وتقول راضية قبل أزمتها الصحية العارضة 《مازال الجسد مرهقا لكن المعنويات دوما مرتفعة… لها الشفاء والعافية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى يخضع لحقوق ملكية
إغلاق
إغلاق
Skip to content