مقالات

فيروس كورونا حول الدعوات لاقرار اجبارية التلقيح

ما مدى احترامها للحقوق والحريات؟

عبد الكريم الشابي

تعالت مؤخرا بعض الاصوات المنادية باستنساخ “الحل الفرنسي” في معالجة جائحة كورونا في بلادنا من خلال اصدار قانون يجبر غير الملقحين على الخروج من دائرة الفضاء العام في خطوة يعتبرها العديد من الفرنسيون تهديدا لحريتهم وللحقوق الأساسية للانسان منها الحق في الحرمة الجسدية. ولان كانت الاسباب المعلنة غير مقنعة بالنسبة للرافضين لهذا القرار (ومن ضمنهم عدد لا بأس به من الملقحين) فذلك لعدم توفر المعطيات الكافية الى اليوم عن مدى فاعلية التلاقيح بأنواعها كما لا يمكن أن تتوفر معطيات دقيقة حول الافار الجانبية طويلة الأمد، تحديدا لأن هذه الاثار الجانبية تظهر بعد وقف طويل نسبيا لا يمكن استبداله بعدد الخاضعين للتجربة.

ان هذا النقاش ليس بنقاش علمي بحت، رغم أن المجتمع العلمي منقسم حول النتائج التي تم تسجيلها الى اليوم في بلدان أتمت نسبة عالية من التلاقيح مثل ايسلندا التي استوفت تلقيح 71.5 ٪ من مجموع السكان و93 ٪ من البالغين 16 سنة وأكثر وهو من أكثر البلدان تلقيحا في العالم الى جانب مالطة والكيان الصهيوني، غير أنها تواجه موجتها الأشد منذ بداية الأزمة الى درجة أن الولايات المتحدة الأمريكية تحذر رعاياها من السفر الى الجزيرة وتصنفها في الدرجة 4 وهي أعلى درجات الخطورة. كما أن هذه الموجة الغير مسبوقة بدأت تدفع بالمسؤولين الى مراجعة سياستهم التلقيحية. أما الكيان الصهيوني فقد اتجه الى اعتماد جرعة ثالثة من التلقيح والتحضير الى حجر صحي جديد نظرا لتجدد الاصابات بين المستوطنين.

وان كنا قدمنا بعض هذه الأمثلة التي يمكن للمختصين الخوض فيها أكثر، فنحن لا نية لنا للتشكيك في التلاقيح ولا نحاول ابداء رأي شخصي معاد للتلاقيح. عيى العكس تماما نعتقد أن معالجة الوباء يتطلب تظافر الجهود من أجل التغلب عليه واخراج الناس من دائرة الخوف والتردد. كل ما نريد طرحه هو حق الناس في عدم التلقيح لأن الفرق شاسع بين تمكين الراغبين في التلقيح من تلقي هذا العلاج واجبار عموم الناس، بما فيهم الحوامل والأطفال، على التلقيح.

ان النقاش الذي يجب أن يدور اليوم هو نقاش حقوقي. ما مدى انتهاك حقوق الناس من خلال فرض جواز التلاقيح أو ما يعبر عنه بالفرنسية بPASS sanitaire ؟ ما هي أليات تطبيق هكذا اجراءات؟ كيف ينظر المشرع الى اجراءات الفرض بالتزامن مع امضاء عقود مع الشركات المنتجة للتلاقيح تعفيها من أية مسؤولية في حال حدوث مضاعفات أو حادث موت لا قدر الله. نذكر في هذا المضمار مثلا أن الكيان الصهيوني أمضى اتفاقا مع شركة بفايزر يقضي باخفاء المعطيات عن الاثيار الجانبية لمدة عشر سنوات، لا أحد يعلم لماذا.

في الواقع نحن نتفهم جيدا الطابع الاستعجالي الذي كثيرا ما يتحدث به الينا أصدقاؤنا الاطباء والمهتمين بالمسائل الوبائية أو حتى المتابعين للشأن العام مثل الاعلاميين. ما لا نتفهمه هو نقل النقاش من مجال الصحة الى الاجتماع الى العلمي البيولوجي والوبائي في حين أن النقاش المطروح هو نقاش قانوني وحقوقي وايتيقي.

يجدر بالذكر أن البلد الذي اعتمد أكثر الأساليب قمعية في ما يخص اجبار الناس على التلقيح هو استراليا التي أعلنت عن جملت من التدابير الاستثنائية الشديدة التهديد للحريات تصل الى اعطاء الحق للشرطة لاجبار المواطنين على اجراء الاختبار باستعمال القوة أو اجبارهم على أخذ التلاقيح بنفس الوسائل. للتذكير حينما عمدت الصين في أول الأزمة الى اقرار الحجر الصحي الشامل في مدينة يوهان مع تقديم المساعدات الغذائية والعلاج لجميع القاطنين فيها تعالت أصوات الجوقة العالمية لحقوق الانسان “تنديدا” بما اعتبروه حينها اعتداءا على الحقوق والحريات بينما تصمت في هذه الحالة وسائل الاعلام المهيمن عن الكلام المباح، وهذا في حد ذاته مثير للشفقة.

قالت العرب قديما، العاقل من اتعظ بغيره. وبما أننا على يقين من رجاحة عقل جماعتنا، فانه علينا أن نخبرهم بتراجع النظام الفرنسي عن اجبارية التلقيح في المدارس. جاء هذا الخبر على لسان وزير التربية جان ميشال بلانكي يوم الأحد 22 أوت في تصريح ل : لو جورنال دو ديمانشJDD أكد فيه اقرار عدم الزامية التلاقيح في العودة المدرسية لا للتلاميذ ولا للأسرة التربوية مضيفا أن المدرسة يجب أن تضل « متاحة للجميع ». وتعتبر هذه الخطوة استجابة الى اسابيع من المظاهرات المناهضة للقانون المطالبة بابطاله.

ان تونس في الوضع الاستثنائي الذي تعيشه اليوم لن تتحمل كلفة انقسام جديد في المجتمع لن يثمر الا مزيدا من الفساد عبر شراء شهادات تلقيح أو عبر ارشاء من هم مسؤولون على تطبيق الاجراءات التي نرى أنه من الخيالي احترامها على بلد يفتقر الى العديد من البنى التحتية الاساسية. بلد يغالب الفساد والرشوة على مختلف الأصعدة لا يجب ارباكه بقانون لن يستطيع أحد تطبيقه علاوة على أنه سيقسم المجتمع وينتهك حرمة وحقوق الناس. هذا رأينا ندلي به ونتمنى أن نشترك جميعا في نقاش هادئ وجاد قبل أن نطرح قانونا سيظل على الرفوف مثل قانون منع استعمال الاكياس البلاستيكية (على أهميته) الذي تم اقراره مغالبة لمصلحة لوبي المساحات الكبرى التي أعفيت بفضل هذا القانون من الزامنة توفير خدمة لحرفائها دون استبدالها بما يتوافق مع متطلبات القانون، دون ذلك لم يتم الاستفادة البتة من هذا القانون الذي تم طبخه هو الاخر على عجل ودون نقاش موسع حول الاجراءات المرافقة لضمان تطبيقه.

علينا من باب الأمانة أيضا أن نورد ثلاثة أخبار تباعا، الأول عن حصول تلقيح بفازر على التصريح النهائي من وكالة الغذاء والأدوية الأمريكية ذلك أنه كان يعمل الى الأن بترخيص استثنائي من ضمن ثلاثة تلاقيح أخرى وهو ما يؤكد الطابع الاستعجالي لهذه التراخيص لكن السؤال لا يزال قائما بالنسبة للتلاقيح الأخرى. وهنا نورد الخبر الثاني، المملكة المتحدة البريطانية منشأ تلقيح أسترازينيكا تتخلى عن تلقيحها حيث تقدمت وزارة الصحة البريطانية بطلب شراء 35 مليون جرعة لقاح بفايزر في الأيام القليلة الماضية و 0 من الجرعات من تلقيح أسترازينيكا، قد يخفي هذا الخبر أخبارا أكثر سوءا بالنسبة لهذا اللقاح. الخبر الثالث والأكثر حزنا يخص تونس بالفعل ويؤكد مخاوف العديد، حيث أدلت عضوة اللجنة، التي نخالها علمية، لمجابهة كورونا، السيدة جليلة بن خليل تصريحا مبهما نقلته وات مفاده أن هذا البلد السعيد سيزيد من سعادة أبنائه عبر فرض شهادة التلقيح للولوج للفضاءات العامة، وكأن بالفضاء العام ليس طاردا كفاية للتونسيين لنزيدهم شروط قهرية غير مدروسة وغير مضمونة الجدوى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى يخضع لحقوق ملكية
إغلاق
إغلاق
Skip to content