مقالات

قانون المالية اجحاف ضريبي بلا بوصلة تنموية

طارق السعيدي
صحفي

أحدث قانون الميزانية لسنة 2022 جدلا واسعا نظرا لما تضمنه من تفاصيل أحالت إلى نفس المنهج الاقتصادي الذي أطّر وأحاط بسياسات الحكومات السابقة دون أن تكون لها القدرة على اكتساب الوضوح اللازم لإعلان تصورتها ودون أن تتكمن سياستها من الانسجام مع مقتضيات اقتصاد السوق بما تعنيه من تحرر كامل يقطع مع الريع والفساد ويؤسس للمنافسة الحرة والنزيهة. وفي المحصلة وجد الاقتصاد التونسي نفسه في مواجهة حكومات دون بوصلة وهي معضلة المعضلات التي تحرمه من إدراك سبيل النمو.

الضغط الضريبي

لقد تضمن قانون المالية في فصوله المسربة عدة محاور، أبرزها مساندة المؤسسات الاقتصادية ودفع الاستثمار وتشجيع الاقتصاد الأخضر والتنمية المستدامة ومقاومة التهرب الضريب وتعبئة موارد إضافية للدولة والإصلاح الجبائي وغيرها. ومن حيث الشكل فقط حافظت ميزانية الدولة على نفس هيكلتها وعلى نفس مدة التنفيذ أي سنة واحدة وهو ما يؤكد نفس التوجهات القديمة في احداث وصياغة القوانين. كما جاء في القانون الجديد نفس العنوانين والأبواب التي تضمنتها مختلف القوانين السابقة وهي عبارة عن اعلان نوايا أكثر من كونها سياسات. فعلاوة على أنها غير محدد بأهداف واضحة فقد مثلت إجراءات ضعيفة لا تكتسي في ذاتها تلك القوة القادرة على تحفيز النشاط الاقتصادي. فعلى سبيل المثال يوجد خطي تمويل بمجموع 55 مليون دينار منها 25 مليون دينار لمواجهة أصحاب الأنشطة الصغرى من مواجهة تداعيات كوفيد-19 عبر قروض بقيمة لا تجاوز 05 آلاف دينار. فهل يمكن تحفيز الاقتصاد عبر منح قروض صغيرة جدا لمؤسسات متناهية الصغر؟ ومقابل ضعف سياسات التحفيز الاقتصادي فان الضغط الضريبي تصاعد عبر عدة إجراءات منها احداث ضريبة إضافية على الاشراء من المساحات الكبرى وضرائب على باعة الجملة وأخرى على باعة الخمور ومعاليم إضافية على التبغ فضلا عن رفع المعاليم الديوانية على عدة مواد مستوردة ورفع معاليم تسجيل العقارات وعلى تسمل نسخ من العقود المسجلة ب05 دنانير عن كل صفحة لتصبح 30 دينارا. كما تم الترفيع في معاليم الجولان علما وأن كل هذه الإجراءات لا تمثل تفاصيل ما قد يحمله القانون من مفاجئات بل هي جملة الخطوط العريضة التي سيتم تفصيلها لاحقا. فالسمة الظاهرة في القانون هو السعي إلى رفع موارد الدولة عبر آلية الضرائب بمختلف أنواعها.

جوهر الضرائب

قد يتبادر إلى الذهن تساؤل جوهري حول المشكل في أن تحدث الدولة معاليم وضرائب إضافية وما ضر لو زادت الدولة في حجم الضرائب؟  

إن المشكل في قانون المالية الحالي أو ما سبقه من قوانين تتطابق من حيث الجوهر والمضمون، ليس في حجم الضرائب أو نسبها بل في فلسفتها وفي السياسية الضريبية التي لا تتجه نحو منوال عادل قد يؤسس إلى العدالة. إن الضرائب ليست مدخلا لتعزيز موارد الدولة بل هي آلية لضمان التوزيع العادل للثروة وتعزيز الانتماء إلى الوطن. فالدولة قديما، منذ أربعينات إلى بداية سبعينات القرن الماضي، انتبهت بفضل فطنة مفكرين اقتصادين إلى أن الوطن لا يصبح رحبا متى سمح لفرد بتحقيق ثراء مطلق وحرمان آخر من تلبية الحد الأدنى الضروري من الحاجيات. وقد يكون ضغط الشيوعي مع بروز نجم الثورات قد أجبر إلى حد كبير واضعي السياسات على التوجه نحو تعزيز رفاه الأفراد تجنبا لكل احتقان قد يدفع نحو ثورة تعزز التواجد الشيوعي في العالم. المهم أن فكرة التعديل عبر إعادة التوزيع قد برزت بقوة في تلك الفترة مدفوعة بكتابات “جون مايونار كاينز”. ومن منطق هذه الفكرة البسيطة والعميقة في ان واحد ظهرت فكرة إعادة التوزيع لضمان ان يكون الوطن فضاء جامعا. ولأجل ذلك تمت اعادة النظر في الضرائب بوصفها جباية تؤكد الخضوع للسلطان لتصبح آلية إعادة توزيع تضمن السلم الاجتماعي والحد الأدنى من الرفاه المشترك. وعلى هذا الأساس فان تحويل الضرائب الى آلية لتعزيز خزائن الدولة يفقدها جوهرها الاقتصادي والاجتماعي ويحولها إلى آلة اخضاع واكراه تخنق الاقتصاد وتخنق الفاعلين. أما على مستوى نجاعة السياسات الضريبية فان الواضح الى حد الان من خلال الاقتصاد التونسي هو أن رفع حجم الضرائب يؤدي الى مزيد التهرب الضريبي وهو ما يفسر تصاعد الاقتصاد الموازي في تونس باعتباره اقتصادا لا يدفع للدولة حق المجموعة الوطنية.

الوضوح والبوصلة

ان الحل الأمثل لمعالجة نقص الموارد ولوقف نزيف التهرب الضريبي لا يكمن في مزيد رفع الضرائب ومحاصرة الفاعلين الاقتصادين بكلفة جديدة، بل يكمن في توسيع قاعدة الضريبة في إطار تصور تشاركي وفي إطار سياسة ناعمة من الدولة تستوجب القانون تماما كما تستوجب الاقناع والحوار. ولهذا فإن الاتحاد العام التونسي للشغل وعدد آخر من الفاعلين الاقتصادين والاجتماعين يطرحون بدائل قائمة على العدالة الجبائية. فعلى سبيل الذكر مثلا نجد ان الطبيب في الصحة العمومية يدفع اضعاف ما يدفعه الطبيب الخاص وحتى المختص من ضرائب وان القاضي يدفع غالبا أكثر من محامي وأن المهندس في الوظيفة العمومية يدفع أكثر من مكتب هندسة وهو اختلال يستوجب المعالجة. وإن كل ما ذُكر هي منطلقات وخيوط يمكن الإمساك بها لتكون خط سير وبوصلة نحو العدالة الجبائية إذا ما تم تعميمها على بقية القطاعات فالحلول متوفرة لمن يريدها شرط التفاعل مع مقترحات الآخرين.

إن الملاحظة الكبرى لأداء السلطة القائمة هو أن الشأن الاقتصادي في البلاد على أهميته لا يناقش رسميا الا في إطار الحديث العرضي عن الفساد أو عن قانون المالية أما الحديث عن الاقتصاد باعتباره أهم محور في الشأن العام فقلما يحضر في الخطاب الرسمي للرئاستين. وقد يكون الوقت قد حان لإعادة ترتيب الأولويات بوضع الملف الاقتصادي على رأس الاجندة الوطنية والسعي الى حله وفق تصور تشاركي ينتج عن حوار وتفاعل وتبادل للتصورات والرؤى.

إن دعم المسارات السياسية تصحيحية أو انتقالية أو ديمقراطية يستوجب حاضنة اقتصادية تمكن من التفكير الهادئ وهو ما يجعل الاقتصادي بما هو ملف عاجل وملح ومحدد في عيش التونسيين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى يخضع لحقوق ملكية
إغلاق
إغلاق
Skip to content