مقالات

كورونا الأسعار وسعر كورونا

فطين حفصية
صحفي

لا تغيب النكتة السياسية والاجتماعية أو روح الفكاهة المستلهمة من الواقع المعيشي المرير الذي يحياه عدد من التونسيين عن نقاشاتهم اليومية في ظل الارتفاع ” الكوروني ” للأسعار الذي مست الحمى المنجرة عنه كل المواد الاستهلاكية الأساسية والتكميلية، اذ تداول الكثير من التونسيين مؤخرا  تسجيل فيديو لامرأة ستينية طريفة أصابها اليأس من شراء كيلوغرام من لحم الخروف بثمنه المقدر  ب29  دينارا فأرادت شراء رأسه لكنها تفاجأت بأن سعره ولواحقه بلغ 10 دنانير كاملة فأجابت البائع المغلوب على أمره أيضا ببديهة سريعة وساخرة 《هل ستبيعني رأس نيمار أم رونالدو》 وهما من أغلى لاعبي كرة القدم في العالم  ليفتح تشبيهها اللامتوقع موجة من الضحك والنشر الواسع على شبكات التواصل الاجتماعي.

ان ما عكسته هذه المرأة بمرارة ضاحكة يقاس على ما يجيب به المواطن العادي عندما يمتد إليه ميكروفون أي وسيلة إعلامية للسؤال حول الأوضاع المعيشية والقوت اليومي فيكرر النغمة اللفظية الشعبية “زيدو مازال يتنفس” في كوميديا سوداء تضيف أن ما تبقى من أوكسيجين سينقطع أمام لائحة الزيادة الأخيرة والطويلة التي طرحتها الحكومة والمتعلقة أساسا بالماء والكهرباء والسكر والحليب والنقل وقبلها في أسعار الوقود.

يقول مسؤولو الحكومة في كل تصريحاتهم إنها وضعت أمام “أبغض الحلال الاجتماعي والاقتصادي”  أي الزيادة في اسعار المواد الاساسية والاستهلاكية المدعمة ويدفعون أيضا بالتأكيد أن مساحة الخيارات أمامها تضيق مقابل توسع دائرة التداين والاقتراض وكتل الأجور ونفقات الدولة والدعم بل أن رئيسها هشام المشيشي ذهب في أول تعليق له حول هذه الزيادات إلى  القول إنه《تم اقرارها منذ نهاية 2018  وأجلت لحسابات سياسية وانتخابية محضة》 متابعا أن 《 المضي فيها تم من موقع المسؤولية رغم لا شعبيتها 》 وهذا يقود حتما إلى تنسيب ضروري للحقائق وتحليل لوقائع أهمها : 

 

 –  الأعذار محكومة بالنتائج والخطط فلأول مرة تتخذ حكومة إجراء وتصفه باللاشعبي فإذا كان الامر كذلك بالنسبة إليها فماذا سيصفه الفرد الذي سيكتوي بناره يوميا أم أنها تعيد التذكير بسؤال إنكاري عجيب طرحه رئيس حكومة سابق وهو حمادي الجبالي حين تسائل أمام جمع من الصحفيين عن وجود الحكومة والحال أنه رئيسها.

 

التجند للوقوف في صف الشعب ضد كل السياسات اللاوطنية واللاشعبية

من بيان الاتحاد

حكومة الفاتح من سبتمبر 2020 عجزت بعد نحو 10 أشهر عن الحد من تزايد الأسعار أو على الأقل تجميدها وحماية ما تبقى من مقدرة شرائية للمواطن أو ما يسمى بالطبقة الوسطى التي تشكل الأغلبية السكانية وأنهكت بحالة الفراغ الوزاري النيابي وحوار الطرشان الذي تقوده مع الجميع.

الحكومة تغافلت لجملة أسباب تتحمل فيها الوزر الأكبر عن أولوية من أولويات العمل التي طرحها رئيسها في جلسة منح الثقة أمام البرلمان حين أكد حرفيا على《 السعي إلى المحافظة على القدرة الشرائية للمواطن وحماية الفئات الهشة》 وظلت تدور مكرهة  في مربع الصراعات التي يخوضها حزامها السياسي والبرلماني مع مكونات سياسية ومدنية أخرى.

قدر المواطن أصبح تقريبا دفع السياسات الخاطئة للحكومات السابقة وربما اللاحقة والحلول الاقتصادية الترقيعية بدل البحث عن حلول قاسية محدودة في الزمن سريعة النتائج لكن هذا المسار لن يستمر طويلا لأن سيرورة الواقع والتاريخ تفند بقاء أي أمر على حاله إلى ما لا نهاية.

كل حكومة تحل ترمي الحكومات السابقة بكل مظاهر الفشل الاقتصادي والاجتماعي والمخططات دون أن تطرح بدائل تختلف عن التي سبقتها اذ اتفق الجميع على ترحيل الملفات القاسية اجتماعيا وتوخي سياسة الهروب إلى الأمام كلما ضاقت سبل المعالجة.

المناخ السياسي المتوتر وانسداد آفاق الحل وتأبيد الأزمات حكم تقريبا مسبقا على كل الحكومات بالفشل لتذهب إلى الحل الأسهل : امتصاص الضغط من جيب المواطن محليا والاقتراض خارجيا.

إلى الآن لم تنته أزمة إنتاج الفسفاط وتصديره  وبات ملف الكامور “ورقة في جيب مجهول ” فلا اتفاقيات نفذت ولا هدوء تام حصل في حين بقي القطاعان  الفلاحي والسياحي يترنحان تحت وقع الجائحة و فائض الانتاج  والتوزيع او نقص المحصول مازاد من التأثير على نسب النمو المتوقعة والتي حاصرتها الجائحة.

آخر أرقام المعهد الوطني للإحصاء أشارت إلى انكماش الاقتصاد  بنسبة 3 % في الربع الأول من العام الحالي وارتفاع نسبة التضخم إلى نحو 7 % في شهر أفريل الماضي  في حين خفض تصنيف موديز  الائتماني الاقتصاد التونسي من بي 2 (B2)  إلى بي 3 (B3)  مع نظرة مستقبلية سلبية

أعادت الجائحة تكريس دور الدولة المركزي أمام الرأسمالية  المتوحشة الزاحفة على اقتصاديات عديدة وانكفأت كل دولة على نفسها وإمكانياتها لمحاربة الفيروس وامتداداته الاقتصادية والاجتماعية والصحية وهنا لم تستطع الحكومة الحالية ولعدة اعتبارات تتجاوزها أيضا مرافقة القطاعات الواسعة المتأثرة أو إنجاز أي مخطط حقيقي للإنعاش ولو جزئيا.

يتسائل المتابعون هنا :  أين الأحزاب السياسية خصوصا المعارضة والمكونات المدنية بوصفلها سلط رقابة وضغط وتقويم من كل ما يجري  ؟  وجوابا على ذلك أطلق ما يزيد عن 20 حزبا من داخل البرلمان وخارجه صيحة فزع أخيرة أمام ما وصفه بعضها تجذرا ب” إعلان الحرب على الشعب التونسي”  لكنهم في المقابل عجزوا مرة أخرى عن الالتفاف حول ثوابت اقتصادية واجتماعية مشتركة وانساق كل منها تحت غطاء

 ” الصرامة الحزبية والايديولوجية ” والتمترس في قلاعه التنظيمية  إلى رفع الصوت الاحتجاجي الحزبي الضيق  في البيانات والبلاغات والاجتماعات الحزبية الضيقة  دون الوحدة الاحتجاجية الميدانية والنشطة لتظل بذلك مواقفهم من جديد أشبه بصيحة في وداي سحيق، أما المنظمة الشغيلة التي تمسك تاريخيا بمقود السلم الاجتماعي والدفاع عن مصالح العمال والأجراء بالفكر والساعد فإنها وفق ما تحمله قراءات البيان الذي اعقب اجتماعا طارئا لمكتبها التنفيذي الموسع قد بعثت برسالة واضحة إلى القواعد النقابية والعمالية 《للتجند للوقوف في صف الشعب ضد كل السياسات اللاوطنية واللاشعبية 》 ما اعتبر توجها نقابيا نحو الحلول النضالية القصوى لوقف دورة الانحدار الشرائي واستهداف قوت الشعب وتفقيره.

لا اختلاف في القول إن بيان الاتحاد كان شديد اللهجة بإدانته هذه الزيادات والمطالبة بمراجعتها لكن المطروح أمامه الآن هو كيفية التحرك أمام ما وصفه أمينه العام ب” اتجاه الدولة نحو الانهيار ” فهل سيكون قوة ضغط مباشرة للتعديل أو التراجع عبر فتح قنوات تفاوض محددة حول هذه النقطة بالذات مع الحكومة وبقية الشركاء الاجتماعيين أم أنه سيجمع كل الملفات الاجتماعية في سلة تفاوضية واحدة مع ما يطرحه ذلك من مزيد تمطيط الوقت واستنزاف اجتماعي ؟ أما ثالث الفرضيات فهي إمكانية ” النفخ ” في رماد حوار وطني بنسخة جديدة قد يجر له الجميع تحت وقع احتجاجات نقابية  وشعبية واجتماعية وسياسية بدأت كل أسبابها الموضوعية تنضج. 

إن تحالف كورونا الأسعار مع كورونا الجائحة ضاعف التكلفة الاقتصادية والاجتماعية على العباد والبلاد ودق كل نواقيس الخطر  فآخر أرقام المعهد الوطني للإحصاء أشارت إلى انكماش الاقتصاد  بنسبة 3 % في الربع الأول من العام الحالي وارتفاع نسبة التضخم إلى نحو 7 % في شهر أفريل الماضي  في حين خفض تصنيف موديز  الائتماني الاقتصاد التونسي من بي 2 (B2)  إلى بي 3 (B3)  مع نظرة مستقبلية سلبية أكدت ضرورة المضي في إصلاحات قبل حصول الكارثة والنزول بالتصنيف إل  مستوى عالي المخاطر وعندها لن يجد الاقتصاد التونسي جرعة تداين جديدة  بل سيذهب الجميع حاكمين ومحكومين إلى طاولة الارتهان الكامل لأجيال وأجيال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى يخضع لحقوق ملكية
إغلاق
إغلاق
Skip to content