مقالات

معاناة صحفي ميداني في تشريعية “زمن الاستثناء”!

خولة السليتي
صحفية

 أن تكون صحفيا ميدانيا في تونس ما بعد ثورة 17 ديسمبر -14 جانفي، فذلك شرف مهني من حقّك أن تدّعيه لتنوّع الأحداث التي قمت كصحفي ميداني بتغطيتها: من انتخابات المجلس الوطني التأسيسي في 2011 إلى أحداث إرهابية وهزّات سياسية وحوار وطني توّج بجائزة نوبل للسلام، مرورا بانتخابات رئاسية وتشريعية 2014 فـ2019 وانتخابات بلدية 2018 فاستفتاء 25 جويلية 2022 وصولا إلى ما نحن فيه اليوم: حملة انتخابية لانتخابات تشريعية “استثنائية” 17 ديسمبر 2022.

هي انتخابات استثنائية يتسنى لك كصحفي عايشت محطات انتخابية سابقة في البلاد أن تدرك وتتحسّس “استثنائيتها” من حيث أنها في البداية “انتخابات لا طعم ولا روح لها”!

أين هي المعلقّات الانتخابية في الأماكن المخصصة للغرض طيلة الحملة الانتخابية؟ أين هي الأنشطة الانتخابية للمترشحين؟ أين هو التنافس الانتخابي؟ أين هي ملامح المشهد البرلماني المتوقعة: كتلة موالية وأخرى معارضة للسلطة؟ أين هي مظاهر الانتخابات في البلاد؟ ببساطة، أتساءل: أين هي “روح” الانتخابات؟

نعم، هي انتخابات فاترة وباهتة، انتخابات بلا روح! انتخابات غابت عنها الأحزاب نظرا للقانون الانتخابي الجديد الذي يفرض التصويت على الأفراد وتم سنّه قبل أشهر قليلة من تنظيم الانتخابات التشريعية وبصفة أحادية فوقية من طرف رئيس الجمهورية، وهو ما يعكس في جانب منه ضربا للحقوق المدنية والسياسية ويمسّ من نزاهة العملية الانتخابية بمقتضى المعايير الدولية. عملية انتخابية بدأ التشكيك فيها حتى من قبل تنظيمها، وفي ذلك مسّ بطريقة أو بأخرى من جوهر العمل الصحفي بصفة عامة والميداني بصفة خاصة.

ويعتبر تغيير القانون الانتخابي واعتماد نظام الاقتراع على الأفراد من بين صعوبات عمل الصحفي الميداني هذه المرّة. فمن الصعب جدا الالتزام بمبادئ الحياد والمساواة والتناصف في ظل وجود 1055 مترشح للانتخابات التشريعية 17 ديسمبر بينهم 122 امرأة فقط، والمخططات التفصيلية للوسائل الإعلامية المعنية بالتغطية خير دليل على ذلك.

وبسبب هذا القانون الانتخابي، وجدت، لأول مرة، دوائر انتخابية بصفر ترشحات، مقابل دوائر انتخابية أخرى معلوم مسبقا الفائز فيها لوجود مرشح وحيد في تلك الدائرة. فعن أي عمل صحفي ميداني يمكن الحديث في حالات مماثلة؟ فالصحفي الميداني أصبح في مثل هذه الوضعيات ناقلا سلبيا للمعلومة وغير قادر على نقل الرأي والرأي الآخر في دوائر انعدمت فيها المنافسة الانتخابية.

إن الظروف المحيطة بالعملية الانتخابية هي من أبرز الصعوبات التي نواجهها نحن الصحفيون الميدانيون، من ذلك “ضوابط” التغطية الصحفية التي تفرضها كل من هيئة الانتخابات والهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري. فبعد أن تعوّدنا تنظيم التعاطي الإعلامي للانتخابات بمقتضى قرار مشترك بين الهيئتين، أصبح الحديث اليوم عن قرار لكل هيئة، وهو ما ساهم في إرباك المؤسسات الإعلامية والتشويش على أدائها، وإن بصفة غير مباشرة.

صحفيون تحت سيف النيابة العمومية

يعمل الصحفيون التونسيون اليوم في إطار ضغط مؤسساتي مهيكل وصل فيه الأمر إلى تهديد الصحفيين باللجوء إلى النيابة العمومية، وذلك بمقتضى قرار الهيئة العليا المستقلة للانتخابات عدد 31 الصادر بتاريخ 18 نوفمبر والمنقح والمتمم للقرار عدد 8 لسنة 2018المؤرخ في 20 فيفري 2018 والمتعلق بضبط القواعد والشروط التي يتعين على وسائل الإعلام التقيد بها خلال الحملة الانتخابية وحملة الاستفتاء.

فبمقتضى هذا القرار، نزعت هيئة الانتخابات صلاحيات الهايكا وجعلت من النيابة العمومية سلطة تحقيق مع وسائل الإعلام والصحفيين وسيفا مسلطا على أفواههم وأقلامهم. وأصبح الصحفيون مهددون بالإحالة على النيابة العمومية من أجل ارتكاب جرائم انتخابية كالإشهار السياسي وخرق الصمت الانتخابي ونشر نتائج سبر الآراء، والحال أن هذه المخالفات تخضع لسلطة الهايكا.

إن وسائل الإعلام والصحفيين شركاء أساسيون في العملية الانتخابية، ولكن من المؤسف أن لا تفهم أو لا تستوعب هيئة الانتخابات ذلك في عدة وضعيات من ذلك أنها تفرض الحصول على إذن رئيس مركز الاقتراع للقيام بالتصوير الصحفي داخل المركز رغم أن الصحفي المكلف بالتغطية متحصل على بطاقة اعتماد من قبل هيئة الانتخابات للتغطية الصحفية! فلماذا هذا التعقيد على مستوى نفاذ الصحفي إلى المعلومة؟

لقد أثبتت التجربة وجود عدد من رؤساء مراكز الاقتراع غير الملمين بما لهم وما عليهم بسبب ضعف التكوين، فلا تسمع منهم سوى “التصوير ممنوع.. محاورة المواطنين داخل مركز الاقتراع ممنوعة…”، وهو ما يدفعنا نحن الصحفيون إلى القيام ببعض الاتصالات وننتظر تدخل ممثل الهيئة على مستوى الهيئات الفرعية أو الهيئة المركزية نفسها ليتم تمكين الصحفيين من القيام بعملهم في أحسن الظروف.

ومن المؤسف أن يتمادى انتهاك حق النفاذ إلى المعلومة ويصل إلى قصر المؤتمرات بالعاصمة مقر المركز الإعلامي لهيئة الانتخابات. فللمرة الأولى منذ انتخابات 2011 وبالتحديد خلال استفتاء 25 جويلية 2022، لم يتم تمكين الصحفيين من طرح أسئلتهم والحصول على معلومات أو توضيحات من طرف أعضاء هيئة الانتخابات الذين اقتصروا في معظم اللقاءات على الإدلاء بتصريح إعلامي دون تمكين الصحفيين من التفاعل معهم، ليتم بذلك تقييد العمل الصحفي ووضع حدود له.

ومع ذلك، فإن الصعوبات عديدة ووصلت إلى حد قرار عدد من وسائل الإعلام مقاطعة تغطية الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها يوم 17 ديسمبر وذلك إما لوعي تام من الوسيلة الإعلامية بعدم نزاهة المسار الانتخابي، كما هو الشأن مع موقع بيونس نيوز الالكتروني أو كذلك لضعف الإمكانيات المادية والتقنية، فلا يخفى على أحد حجم الإمكانيات التي تتطلبها التغطية الميدانية للانتخابات.

ما من شك أن العمل الصحفي الميداني لا يخلو من صعوبات، ولكن عندما تكون هذه الصعوبات وقيود العمل الصحفي “مقنّنة” من قبل رئيس الجمهورية ومن قبل هيئة تمنح لنفسها الولاية الكاملة على الانتخابات بما في ذلك أداء وسائل الإعلام، فذلك سيجعل حتما بعض الصحفيين أسرى تلك القيود التي تساهم، وللأسف، في تكريسها بعض المؤسسات الإعلامية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى يخضع لحقوق ملكية
إغلاق
إغلاق
Skip to content