مقالات

مقاومة الفقر والتهميش مهمة وطنية عاجلة وسيادية، مهمة بانتظار حلول فعلية

عبد الكريم الشابي

ارتبطت الاحتجاجات الاجتماعية سنة 2008 بالمستوى المعيشي المتدهور والمتأثر وقتها باستتباعات الأزمة المالية العالمية على تونس والتي ظل النظام يؤجلها الى أن حل الانفجار الكبير الذي غير الشيء الكثير في السياسة في تونس، ولكنه لم يطل بعد حسب اعتقادنا الاسباب الجوهرية للأزمة ولم يعالجها إلا على مستوى الترقيع وبالتالي لم يوجد بدائل اقتصادية حقيقية تتفادى الانحدار مجددا نحو المربع الأول أي الاحتجاجات الاجتماعية والتصادم مع قوى ترى الحل في مزيد تفكيك الدولة من أجل تحصيل مطالب آنية متعلقة بتحسين ظرفي للأوضاع.

لقد شهدت نسبة الفقر ارتفاعا بنحو 30 بالمائة في السنوات الأخيرة (خاصة منذ 2014). وعوض أن نشهد تراجع الظاهرة وانحسار مداها إلى مستوات دنيى بفعل السياسات الجديدة التي كان من المفترض أن تتوجه نحو الفئة المعنية والتي قدمت التضحيات في سبيل التغيير،  ميز الفقر والتهميش نفس الجهات المحرومة سابقا ألا وهي الشمال الغربي والوسط الغربي. 

تعود هذه الوضعية شديدة الخطورة لسببين: أولهما معانات 1.7 مليون مواطن جراء هذه الوضعية الهشة والسالبة لمقومات الحياة الكريمة وهذا ما يجعل من مقاومة الظاهرة مهمة مستعجلة جعلت وزارة الشؤون الاجتماعية تقدم على وضع استراتيجية وطنية منذ بداية السنة الجارية (فيفري 2019) لمكافحة الفقر وطرح مقاربة جديدة لانجاز مشاريع تهدف إلى اعادة الاندماج وليس فقط التدخل المباشر لصالح  العائلات المعوزة وبطريقة تشاركية مع الوزارات ذات الصلة مثل وزارات الصحة والتربية والتشغيل والتنمية المحلية ووزارة المرأة.

ويتمثل ثانيهما في انزلاق الطبقة المتوسطة نتيجة لتدهور المقدرة الشرائية وعدم وفاء الدولة بالتزاماتها تجاه هذه الطبقة التي جهدت في انتاجها منذ ستينيات القرن الماضي عبر برامج دعم وتحفيز لما لوجود هذه الطبقة الوسطى من ايجابيات على مؤشرات الاستهلاك الداخلي وبالتالي على تنشيط السوق الداخلية واستيعاب الانتاج الصناعي والفلاحي والمساهمة في النمو الاقتصادي.

 إن مثل هذه الوضعية التي تعيشها هذه الطبقة اليوم قد يطرح عليها سؤال مشروعية الدولة ككيان منظم للفضاء العام حيث لا سيادة للمواطنين على أرزاقهم ومستقبل أبنائهم في مقابل تفشي ظاهرة الاقتصاد الموازي وركون أجهزة الدولة وخضوعها أمام ارادة الجهات المانحة والدائنة. ومن هنا يبدو لنا المشهد معقدا، إذ كيف يمكن للدولة التونسية أن تقاوم الفقر والتهميش مع مواصلة الايفاء بالـتــزاماتها تجاه الجهات الدولية؟ وكيف أمكن للدولة التونسية أن تحقق تقدما نسبيا في مقاومة الفقر  بين السنوات 1985 و2005؟

اذا أردنا الحديث عن استراتيجية وطنية لمكافحة الفقر فذلك مرتبط أساسا بجملة من الخيارات الاقتصادية والتنموية لا فقط بالفقر كظاهرة هيكلية. وإن تحديد هذه الخيارات هو ما سيمكننا من ايجاد و تنفيذ سياسات عمومية ناجعة في هذا المجال.

 يمكننا رصد ثلاثة سيناريوهات قابلة للتحقيق في خصوص مقاومة الفقر والتهميش: بتمثل السيناريو الاول في مواصلة الدولة نهج التحرير الاقتصادي بما في ذلك التفويت في المؤسسات العمومية بغية الضغط على كتلة الأجور، وهو مطلب مُلح ما انفكت المؤسسات المالية المانحة تذكر به على أساس أنه حل لكل مشاكل البلاد الاقتصادية. وأن توافق على منح القطاع الخاص (الأجنبي طبعا بعد المصادقة على اتفاقية الآليكا) آملة في تحقق معجزة الانسياب الذي لم يتحقق حتى في البلدان المتقدمة ولا أدل على ذلك من ارتفاع مهول للتفاوت بين المحظوظين المدعومين من طرف أركان الاقتصاد المالي المعولم وهم لا يتجاوزون حفنة أفراد والمنتجين الأكثر تفقيرا وقد جرت العادة على مقارنة دخل الافراد الأكثر دخلا (عادة ما لا يتجاوز عددهم المائة فرد)  بالنصف الأقل دخلا في بلد ما، أو في العالم (في 2019، 26 مليارديرا الأغنى في العالم يمتلكون أكثر مما يمتلكه نصف سكان العالم مجتمعين). وعلى هذا النحو والأساس قد لا تكون فرص التونسيين  في الخروج من الفقر عبر الاتفاقيات الدولية أكثر من فرص المتنبي من وعود الاخشيدي.

أما السيناريو الثاني والمتعلق بالاجابة عن سؤال كيف نجحت دول مثل الصين او فييتنام أو بوليفيا (وهي التي كانت الدولة الأكثر فقرا في أمريكا الجنوبية والكاراييب) من التقليص الملفت لنسب الفقر أو حتى كيف نجحت تونس نسبيا في التصدي للظاهرة الى حدود مطلع الألفية الثانية. الجواب هو طبعا في التخطيط المركزي وتوجيه الانفاق العمومي الى مشاريع التهيئة الكبرى حيث أن تدخل الدولة مكن من ربط الطرقات وفك العزلة عن مناطق كانت نائية كما تم تجهيز المؤسسات التعليمية في هذه المناطق لاستقبال تلاميذ لم يكن ليتسنى لهم التمدرس وتطوير مهاراتهم والمشاركة الفاعلة لاحقا في عمليات الانتاج كما تمت الاحاطة الصحية بالمتساكنين لتحسين الخدمات ولرفع أمل الحياة عند الولادة وبالتالي مؤشرات التنمية في المناطق المستفيدة. كما أن هذه الدعائم رفعت روح الانتماء والمواطنة وسهلت انخراط الأهالي في تنفيذ برامج الدولة(بدرجات متفاوتة بحسب الدول والظروف السياسية حينها). 

ان هذا الخيار، ولنكن منصفين وواقعيين، هو خيار صعب أمام التـزامات الفاعلين السياسيين اليوم مع شركائهم الدوليين، واعادة توجيه الانفاق العمومي لا تقل أهمية، بالنسبة إلينا عن ترشيده.

 ينبني السيناريو الثالث على الدمج بين التدخل المباشر والعاجل للدولة لفك العزلة عن المناطق الأكثر هشاشة وفقرا وبالتوازي تشجيع المبادرة المواطنية حيث يمكن للمواطنين المساهمة في الجهد واحداث مشاريع تراعي البيئة وسلامة المحيط على اعتبار ان الوعي الايكولوجي أحد مقومات التنمية المستدامة حيث نمكن الاباء من الخروج من الفقر ولكن ليس على حساب جيل الأبناء.

 وتكون المعادلة بذلك أن تتدخل الدولة بمشاريع تنموية لا تصادر حق المبادرة المواطنية وتنتعش هذه المبادرة عبر التعاون والتآزر وعبر احترام العنصر الطبيعي فتكتمل بذلك الدورة الاقتصادية التشاركية بين القطاع العام والقطاع المواطني أو قطاع الاقتصاد الاجتماعي والتضامني. وهنا نود الاشارة الى ضرورة التسريع في عرض مشروع القانون المتعلق بالاقتصاد الاجتماعي والتضامني الذي كان قد تقدم به الاتحاد العام التونسي للشغل لما له من أهمية في ادماج قطاع واسع ومهمش من الطاقات الشابة وقوى الانتاج وفي معاضدة مجهود الدولة في القضاء على هذه الظاهرة. 

وعلى سبيل الذكر لا الحصر، يمثل قطاع الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في فرنسا مثلا، 10.5 بالمائة من الناتج الداخلي الخام وهو يشغل 2.37 مليون ويحقق قيمة مضافة قدرت حسب احصاءات 2013 ب100 مليار يورو.

 وجب التذكير أيضا بأن لا بديل عن الدولة لاقتراح السياسات العمومية التي تراها مناسبة لادماج كل المواطنين وتخطي مخاطر الفقر والتهميش، غير أن هذه السياسات ان لم تكن سيادية واستراتيجية فقد تنحصر نتائجها وقد ترتد سريعا إلى ما كانت عليه.

ونحن اليوم نتجاوز الربع الأول من 2021، ننتظر تسجيل انخفاض لافت في معدلات النمو وارتفاع جنوني للاسعار عبر حذف غير منهجي لمنظومة الدعم، نتجه شيئا فشيء الى اتساع رقعة الفقر المائي في تونس. أمام كل هذا التهديد المباشر للتونسيين والتونسيات يبقى المسؤولون صامتين أو أنهم يلجؤون الى تصريحات فلكلورية مناسبتية ليثبت كل أنه مطلع أكثر من غريمه على بؤس أوضاع التونسيين. في ظل هذه الغوغاءالسياسية وعدم الاكتراث بالكلفة الاجتماعية لسياسة الهروب الى الامام تبدو مبادرات المجتمع المدني لدعم الادماج ومقاومة التهميش وعلى رأسها مبادرات الاتحاد العام التونسي للشغل وبالأخص عبر التعريف بالاقتصاد الاجتماعي والتضامني، تبقى هذه المبادرات بقعة ضوء في عتمة سياسية الكارتيلات والتوريث والمربعات الأمنية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى يخضع لحقوق ملكية
إغلاق
إغلاق
Skip to content