مقالات

الحكم المحلي وحقوق الإنسان:

آلية الميزانية المراعية للنوع الاجتماعي

خالد الماجري

«تلتزم الدولة بدعم اللامركزية واعتمادها بكامل التراب الوطني في إطار وحدة الدولة».

«تقوم السلطة المحلية على أساس اللامركزية.

تتجسد اللامركزية في جماعات محلية، تتكون من بلديات وجهات وأقاليم، يغطي كل صنف منها كامل تراب الجمهورية وفق تقسيم يضبطه القانون.

يمكن أن تحدث بقانون أصناف خصوصية من الجماعات المحلية».

هكذا كرس الدستور التونسي لسنة 2014 عبر فصليه 14 و131 السلطة المحلية وخصص لها بابا ضمنه. وصدر تطبيقا لمقتضياته القانون أساسي عدد 29 لسنة 2018 المؤرخ في 9 ماي 2018 والمتعلّق بمجلة الجماعات المحلية.

وتأتي اللامركزية في الدستور الجديد كآلية من آليات دعم حقوق الإنسان بما تمثله من قطع مع النظام المركزي الذي من شأنه إبعاد سلطة القرار عن الشعب والذي استغل في تونس طيلة عقود لإقصاء صاحب السيادة عن ممارسة صلاحياته.

ولعل أهم ما يبرز هذه العلاقة الأنطولوجية بين اللامركزية وحقوق الإنسان هو قيام الجماعات المحلية على مبدأ الانتخاب من ناحية وتسييرها اعتمادا على مبدأ التدبير الحر. وعليه فإن اللامركزية هي إرساء لمبدأ الديمقراطية التشاركية الذي يكرسه الفصل 30 من القانون الأساسي عدد 29 لسنة 2018.

ومن أهم آليات الديمقراطية التشاركية التي تم تركيزها ضمن القانون ضمان إطلاع المواطنين على المعلومات الذي ورد تفصيله بالفصل 34 من القانون كالآتي: تلتزم الجماعات المحلية بضمان شفافية التصرف والتسيير وتتخذ كل الإجراءات والوسائل التي تسمح بالاطلاع على المعلومات المتعلقة خاصة بـ:

-مشاريع القرارات الترتيبية للجماعة المحلية

– التسيير المالي

– التصرف في الأملاك

– العقود المبرمة من طرف الجماعة المحلية

– الأشغال والاستثمارات المزمع إنجازها من طرف الجماعة المحلية

تلتزم الجماعات المحلية باعتماد التدقيق الداخلي للتصرف والإعلام بنتائجه. وتدعم الدولة الجماعات التي تعتمد منظومة التدقيق والمراقبة».

كما وقع صلب هذا القانون تدعيم مشاركة المواطنين عبر ضمان مشاركتهم في أعمال المجالس المحلية من ناحية ومن ناحية أخرى إمكانية اللجوء إلى الاستفتاء المحلي المكرس عبر الفصل 31 من القانون المذكور والذي يقضي أنه: «لمجلس الجماعة المحلية، بناء على مبادرة من رئيس الجماعة المحلية أو من ثلث أعضاء المجلس، أن يقرّر استفتاء المتساكنين حول إعداد برامج التنمية والتهيئة الترابية بموافقة أغلبية ثلثي أعضاء المجلس.

كما يمكن لعشر الناخبين المحليين بالجماعة المحلية المبادرة باقتراح تنظيم استفتاء. وفي هذه الحالة يمكن إجراء الاستفتاء في صورة موافقة أغلبية ثلثي أعضاء المجلس المحلي في أجل لا يتجاوز شهرين.

لا يمكن إجراء أكثر من استفتاء واحد خلال المدّة النيابية البلدية أو الجهوية.

على مجلس الجماعة المحلية احترام آجال إعداد الميزانية في تحديد موعد الاستفتاء.

لا يمكن إجراء استفتاء خلال السنة الأولى التي تلي انتخاب المجلس المحلي وخلال السنة الأخيرة من المدة النيابية البلدية أو الجهوية».

ولئن مثّلت الديمقراطية التشاركية المدخل الرئيسي لحقوق الإنسان ضمن العمل المحلي فإن اعتماد مقاربة حقوقية يقتضي من الجماعات المحلية وعيا أكثر تطورا يتجاوز النص القانوني الخاص بالجماعات المحلية إلى تكريس حوكمة حقوقية فعلية من طرف الجماعة المحلية في مختلف تصرفاتها. وينطلق ذلك من اعتماد ميزانيات مراعية للنوع الاجتماعي أي ميزانية تنبني على البحث عن المستوى الأمثل لكفاءة وأداء السياسات العمومية وعلى استهداف جميع شرائح المجتمع باعتبار اختلاف حاجياتهم وتنوعها. ينص الفصل 18 من القانون الأساسي للميزانية على أنه: «يعمل رئيس البرنامج على إعداد الميزانية على أساس أهداف ومؤشرات تضمن المساواة وتكافؤ الفرص بين النساء والرجال وبصفة عامة بين كافة فئات المجتمع دون تمييز» وهو ما يؤكّد عليه منشور رئيس الحكومة عدد 9 بتاريخ 29 مارس 2019. ويقتضي هذا الالتزام فعليا أن تقع ترجمة معايير حقوق الإنسان الكونية إلى مؤشرات قابلة للقياس. ولتحقيق ذلك يجب أن تعمل الجماعات المحلية على ضمان الولوج المنصف للحقوق المدنية والسياسية عبر التأهيل الحضري وتحسين الولوج والنفاذ للمرافق العمومية لجميع الفئات الاجتماعية والحد من الفوارق الاجتماعية وتشجيع الأنشطة الاجتماعية والثقافية الدامجة كما عليها ضمان الولوج العادل للحقوق الاجتماعية عبر وضع آليات للولوج المتكافئ للخدمات الصحية والتمدرس والتكوين والنقل… مع الأخذ بعين الاعتبار لمتطلبات الشباب من النساء والرجال وجميع الفئات الاجتماعية ككبار السن والأطفال وذوي وذوات الإعاقة والولوج الجيد لفرص الشغل والأنشطة المدرة للدخل والمشاركة الفعالة في اتخاذ القرارات.

ويمر تحقيق هذه الأهداف عبر نقاط أساسية أهمها:

• تحديد وفهم احتياجات كل فئة مجتمعية،

• إعادة ترتيب الأولويات أكثر من الزيادة في الإنفاق العمومي في مجمله،

• التركيز على إعادة توجيه البرامج داخل القطاعات أكثر من إحداث تغيير في الموارد المخصصة لقطاعات بعينها،

• تقييم ومتابعة مدى الالتزام بالمبدأ المؤيد لأخذ احتياجات المرأة والشباب والأطفال وكبار السن وذوي الإعاقة في الحسبان في رسم السياسات العمومية،

• التأكد من تكافؤ الفرص للجميع للوصول إلى الموارد والمصادر المتاحة…

لا يمكن للجماعات المحلية أن تكرس المقاربة الحقوقية في أعمالها دون تكريس آلية الميزانية المراعية للنوع الاجتماعي وهو ما يجب أن تعمل عليه الجماعات المحلية في تونس في الوقت الراهن ضمانا للنجاعة والإدماج. وفي هذا الإطار أطلق المعهد العربي لحقوق الإنسان خلال الأشهر المنصرمة سلسلة من الدورات التكوينية حول الحكم المحلي وحقوق الإنسان طالت مجموعة من قيادات المجتمع المدني المحلي وأعضاء المجالس البلدية من أجل التحسيس بأهمية هذه المقاربة وتمكينهم من وسائل تطبيقها في عملهم اليومي عساها تكون بادرة تعمّم على جميع المتدخلين في هذا المجال وتفتح آفاقا للمجتمع المدني والهياكل الرسمية للتكوين والتدريب في هذا المجال.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى يخضع لحقوق ملكية
إغلاق
إغلاق
Skip to content