مقالات

26 جانفي 1978 الذاكرة والعبرة

فطين حفصية
صحفي

بعد مرور ستة وأربعين عاما لا زال يوم 26 جانفي 1978 راسخا في الذاكرة الجمعية والوطنية والنقابية وفي تاريخ تونس الحديثة، أزمة اجتماعية خانقة في ذلك الوقت تحت وطأة الركود الاقتصادي والتنموي وتضاعف نسب البطالة وموجة تغيرات جذرية يعرفها المجتمع التونسي الذي انتقل من مرحلة التعاضد والاشتراكية، التي قادها أحمد بن صالح، إلى ليبيرالية مفتوحة وضعها الوزير الأول الهادي نويرة، أما سياسيا فإن بوادر “حرب خلافة ” بدأت في التشكل في ظل الحالة الصحية للرئيس مدى الحياة الحبيب بورقيبة.

بتلك المراكمة عاشت البلاد أول إضراب عام شل حركتها وأكبر انتفاضة شعبية منذ الاستقلال، انتهت بمجزرة سقط في أعقابها مئات الضحايا والجرحى على يد قوات الجيش والأمن والميليشيات الموازية للحزب الاشتراكي الدستوري الحاكم التي انتشرت في كل جهات الجمهورية، ومنها بدأ مسار ترنح السلطة حيث قال الزعيم النقابي والوطني الحبيب عاشور أمام جمع كبير سويعات بعد اعتقال عبد الرزاق غربال الكاتب العام للاتحاد الجهوي للشغل بصفاقس أنه “لا مجاهد أكبر سوى الشعب”، بعد أن كان يقول إن النقابيين هم الحرس الرسمي لبورقيبة في ظل المد الشيوعي الأحمر وقتها لينتهي نزع اللقب الأبوي والجهادي عن بورقيبة بقطع التحالف التكتيكي بين “الحبيبين”.

أطلقت الرواية الرسمية على ذلك اليوم ‘الخميس الأسود” إلا أن “اليوم الأحمر” خلص حسب الأرقام الرسمية المقدمة إلى حصيلة بشرية كارثية ب 52 قتيلا و 365 جريحا، في حين تحدثت تقارير مستقلة من منظمات حقوقية عن أكثر من 400 قتيل و1000 مصاب، في ما عد أول صدام بين اتحاد الشغل والسلطة ودخول الجيش التونسي الفتي ركح المشهد السياسي كطرف لفض النزاع، ومنعرجا حاسما في فك الارتباط الذي رافق علاقة الطرفين في إطار ما يعرف بالجبهة القومية، بعد أن ساد ” توازن اللارعب” بين أكبر منظمة جماهيرية والسلطة التي ذهبت إلى خيار العسكرة والقوة في أول خلاف حقيقي.

وإلى الآن مازال جزء من الوجه المخفي لهذا اليوم غامضا في ظل صراع المكابرة مع الأحداث وتسييج أرشيف الصدور والوثائق لتلافي تبعات صداع ظل يرافق النظام الذي خلف بورقيبة أيضا، وقد كان القائم عليه جزءا أساسيا إذ شغل الرئيس السابق زين العابدين بن علي في ذروة القتل والتقتيل مدير الأمن الوطني.

ومن الضروري بعد كل هذا الوقت الكبير الذي سيتم قريبا نصف قرن الدفع باتجاه الحقيقة عبر المطالب القديمة الجديدة:                                                                                

  • تحديد لائحة الآلاف من المحاكمين من نقابيين ومواطنين الذين مثلوا أمام المحاكم الاستثنائية (محكمة أمن الدولة) والمحاكم العادية.  
  • إصدار قائمة شهداء 26 جانفي 1978 وتحديد أماكن دفنهم.
  • كشف حالات التعذيب والقتل المتعمد ومعالجة هذا الإرث الثقيل من انتهاكات حقوق الإنسان كآلية المساءلة والمحاسبة وجبر الضرر المادي والمعنوي.
  • إضفاء النجاعة على عمل هيئة الدائرة المختصة في قضايا العدالة الانتقالية التي باشرت منذ أكتوبر 2023 ملف قتل النقابيين وجرح آخرين وتسهيل مأموريتها بعد أن بدأت بسماع عدد من ضحايا الانتهاكات دون اكتمال نصابها بمقتضى الحركة القضائية الأخيرة.
  • إرجاع أرشيف الاتحاد الذي صادرته وزارة الداخلية في معارك لي الذراع مع المنظمة في 1978 و1985 باعتباره ذاكرة وطنية مشتركة بشكل عام وذاكرة نقابية بشكل أخص.
  • مراجعة تنظيم حالة الطوارئ المقننة منذ ذلك اليوم بالأمر عدد 50 والذي مازال يجري به العمل إلى الآن.

الارتدادات المنسية

يستدعي هذا الجرح المفتوح اليوم نزع بقع تصفية الحسابات في علاقة بتحمل المسؤوليات وإعطاء ما وراء الأحداث حقها فتاريخ 26 و27 جانفي ما هو إلا رسم حدود في تاريخ البلاد وهزة مزدوجة للمنظمة النقابية والسلطة القائمة آنذاك ونقطة فاصلة في تاريخ البلاد الحديث، وهو أمر يتطلب تحليلا وتفكيكا وبحثا عميقا وموضوعيا في أهم المحطات الشتوية الساخنة التي عاشتها البلاد بعدها من جانفي 1980 ثم انتفاضة الخبز جانفي 1984 وصولا إلى انتفاضة الحوض المنجمي التي بلغت ذروتها في جانفي 2008 وصولا إلى الهبة الشعبية العارمة في جانفي 2011 حيث أصبح هذا الموعد في تونس عنوان الاحتجاجات والانتفاضات الشعبية والكوابيس لأي سلطة.                                

لكن قبل “فرز التاريخ” الذي هو بيد المختصين ورهين شهادات الأحياء وما تم توثيقه كتابيا وشفويا وأكاديميا فإن آثار 26 جانفي واستخلاصاتها باقية إلى اليوم وأهمها:

  • فشل خطة “اجتثاث” المنظمة الشغيلة التي كان يقودها الجناح المتصلب في السلطة والحزب الاشتراكي الدستوري الحاكم بقيادة الوزراء الضاوي حنابلية (الداخلية) وعبد الله فرحات (الدفاع) ومحمد الصياح الذي كان يشغل في الوقت نفسه مدير الحزب الحاكم ووزيرا معتمدا لدى الوزير الأول مقابل تركز حاضنة شعبية ومواطنية للمنظمة وقياداتها.                                                        
  • الفشل الذريع بعد ذلك في الانقلاب الناعم على القيادة الشرعية للاتحاد بعد تنصيب قيادات موالية مركزيا وجهويا رغم كل محاولات شل الحركة النقابية في البلاد ومحاصرة المقرات واعتداء الميليشيات الحزبية على النقابيين.
  • قراءة أي “سلطة” مهما كانت قوة أدواتها الصلبة حسابا للمنظمة الشغيلة وقبولها به قوة ضغط وتعديل واقتراح وشريك في مربعات القرار الوطني الحاسم باعتبار رصيده من الشرعية التاريخية والنضالية منذ فترة الاستعمار بقيادة زعامات يتقدمها الشهيد فرحات حشاد ومحمد علي الحامي.                                                                                           
  • الإضراب العام غير وجه تونس رغم دموية رد السلطة ولم ينجح حل القوة في جعل المنظمة الشغيلة أداة طيعة بيد السلطة بل أمكن لها منذ ذلك التاريخ رسم مسافة استقلالية واضحة وإن شابتها في بعض التواريخ أساليب المهادنة أو سياسة “الانحناء” للعاصفة.                                                                                                 
  • تحول الاتحاد إلى فضاء وخيمة تجمع كل الأطراف السياسية والمدنية المعارضة لنظامي الراحلين بورقيبة وبن علي وصولا إلى تأطير الاتحادات الجهوية والتشكيلات النقابية لمجريات 17 ديسمبر وما بعد 14 جانفي 2011.
  • شروع مكونات سياسية ومدنية كحركة الديمقراطيين الاشتراكيين بقيادة الراحل أحمد المستيري وعدد من الليبيراليين والمستقلين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان في افتكاك مساحات أنشطة معارضة سياسية وحقوقية وتحريك إدارة الشأن العام.
  • بدء هبوب “نسمات إعلامية” مخالفة للراي الواحد والصوت الواحد والحقيقة الواحدة وصولا إلى الربيع الإعلامي بداية الثمانينات مع ما يعرف بسياسة التفتح التي قادها رئيس الحكومة الجديد محمد مزالي وهو ما قاد منذ ذلك الزمن إلى وجود “بؤر إعلامية” خارج سرب غرفة التحكم الرسمية رغم محاولات التصحير الإعلامي في الحقبة النوفمبرية.

بعد ما يقرب من نصف قرن عن هذه المحطة النضالية التي تقاطع فيها النقابي الاجتماعي بالشعبي مازالت هذه الأحداث تلامس ضرورة التعبئة الحقوقية والنقابية وتحمل الدولة لمسؤولياتها الأخلاقية في كشف كل الحقائق لهذه المأساة التي تأبى النسيان ولم يتغير الشيء الكثير إلى اليوم رغم تحولات الزمان في علاقة الريبة التي تنظر بها كل سلطة نحو هذه المنظمة الجماهيرية والسعي إلى احتوائها أو على الأقل تحييدها لكن الدرس التاريخي ليوم 26 جانفي 1978 مازال حبره لم يجف بعد.

Skip to content