مقالات

العين لريم سعد: سرديات على الجدران لاستنهاض الوعي

سيماء المزوغي
صحفية

إذا لاحظت أو شاهدت أو رأيت  في وضح النهار فنانة تحمل فرشاة وغيرة بيضاء وملصقات، وتتأمّل الشوارع وتقيس المسافات المناسبة لوضع “العين” على جدرانها، وكانت تتفاعل مع المواطنات والمواطنين ممن نظروا وتساءلوا،  فإنها دون شك الفنانة التشكيلية ريم سعد، التي رافقناها خلال العديد من رحالات العين وما تولّد عنها من سردياتها وحكاياتها واحتمالات..

العين المستنيرة بضوء الشمس تغذّي فكرة استيقاظ الوعي واستنهاضه، وتنبهنا للاستفاقة دوما والتأمّل والتمعّن والتفكّر والتنوّر 

هذه العيون التي تنتشر شيئا فشيئا في كل مكان ترسّخ فكّرة الانتباه للثقافة والفن باعتبارهما جوهر حياة المواطنة وعمقها وأعمدتها، تطرح فكرة الاختلافات من خلال التفاعل والرمزية المؤثرة التي تجعل من يراها يتساءل،  وهي في آن اتجاه لخلق طريق وعي إنساني يقوم على الفكر النقدي، وريم سعد تذّكر بكل هذا وتقول: “العين المفتوحة دعوة كي نستيقظ ونوقظ ما نام داخلنا، ونقدّر كل الأشياء التي ننعم بها والتي لا تقدّر بثمن، نتحدّث عن فكر حر ووعي مستنير.. ولا ننسى أنّ الاستفاقة الفكرية والثقافية تبدأ من قاعدة الهرم بالأساس، تخاطب الجميع، بكل اختلافاتهم وتشابهاتهم وتناقضاتهم وتدعوهم لرحابة التأمّل والتفكير، تدعوهم لنبض جديد وإيقاع متجدّد ينير إنسانيتنا أكثر، ولا ننسى أنّ الثقافة لا بدّ أن تكون للجميع وفي كل مكان، لا تستثني أحدا ولا تقصي أو تستبعد أحدا. الثقافة التي تؤسس للمعنى والقيمة، وليست العابرة أو السطحية أو المسلعنة”.

حينما تأنث الشوارع وتجمّل

إن عيون الفنانة المؤنثة تٌتراءى في مشهدية الشوارع والجدران، في رمزية أيضا لتأنيث المشهد العام والرأي العام والفضاء العام، وهي أيضا بمثابة عقد جمالي بين الفنان ومحيطه الثقافي الاجتماعي الاقتصادي البيئي، وهنا يمكن أن نتحدّث أيضا عن ثقافة المواطنة والمشاركة والديمقراطية والمبادرة، نتحدّث أيضا عن ثقافة القرب والأحياء والحرية، نتحدث عن ثقافة تحيي الفضاء العام، إبداعا وخيالا وتعبيرا وفكرا وجمالا في سياق من الالتزام والمعنى والقيمة والاستنارة.

أحيانا تقام برامج للاستعراض أو الفرجة أو البروبغندا المغلّفة، لقضّية ما ولا تعطي أكلها، أحيانا أيضا تقام مشاهد فنية أو لوحات تعبيرية ولا تعطي أكلها وتكون بمثابة منتوج تستهلكه وتمضي، عين ريم سعد هي بمثابة حركة تعبيرية بسيطة وعميقة في آن،  تجعلك تفكّر وتتساءل وتبحث، وهذا هو جوهر الفن أن تُعمل عقلك وتغذي روحك وتحلّق بخيالك..

عين ريم سعد تجعل من يراها يفكّر ولا تعطيه تفسيرا واحدا أو تأويلا، هي عين مفتوحة على كل سؤال وتأويل، يكفي فقط أن تربطها بالجدار الذي وضعت عليه، مثلا وضعت  الفنانة عينا على مقر النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، كأنها تقول عين على حرية الصحافة والتعبير والرأي والفكر، ووضعت عينا على بناية صندوق الضمان الاجتماعي كأنها تذّكر بالحقوق الاجتماعية للفنانين،  ووضعت عيونا في كامل شوارع لافايات، كأنها تقول لنحافظ على تاريخيها وجماليتها وسحرها.. هذا الحي الذي يقع شمال شارع الحبيب بورڨيبة ويتميز بمعماره الفرنسي، يعتبر عمودا من أعمدة الأحياء المركزية بتونس العاصمة، هذا الحي يلامس روح باب الخضراء، ويعانق سرديات شارع محمد الخامس، ويكشف نبض باب البحر وحكايات البلفيدير.. تبقى لافيات أو باريس التونسية بكل ما تحمل من حكايات ومؤسسات زهرة معمارية لا بدّ أن ننفض عنها الغبار.

ودون سابق إنذار أو ترخيص مسبق تشرع ريم سعد في رحلة “عين” جديدة بعدما تختار وجهتها وتعدّ عدتها.

ما هي رحلة العين؟

هي رحلات لا رحلة واحدة، إذ تحمل ريم  فرشاة و”غيرة بيضاء” (لصق ايكولوجي) في قارورة زجاجية وتختار جدارا ما لتلصق عليه  العين، سواء كان ذلك على جدران الشوارع أو الأزقة أو الأنهج،  للتعبير عن  قضايا إنسانية ذات صلة ثقافية وفكرية واجتماعية وبيئية تملؤها قيمة جمالية، لجذب الانتباه لقضية ما، وكل عين ملصقة تحمل قضيةّ بحدّ ذاتها. قامت “عين” ريم بعدّة رحلات في تونس،  في أحيائها الشعبية أو الراقية، في سواحلها ودواخلها وجزرها، وحتى كتابة هذه الأسطر ألصقت الفنانة أكثر من 200 عين.

إن عيون الفنانة المؤنثة تٌتراءى في مشهدية الشوارع والجدران، في رمزية لتأنيث المشهد العام والرأي العام والفضاء العام، وهي عقد جمالي بين الفنان و محيطه

في كل رحلة عين في الشوارع والأماكن العامة تتصّل ريم مباشره بجمهور الشارع، ذلك الجمهور الذي يكون عادة غير متجانس، يلتفتون للعين التي تشرع ريم في إلصاقها في وضوح الشمس، فكل يرى ملصقاتها من منظوره وتصوراته وتأويله، فمنهم من يسألها عن حكاية العين، ومنهم من يسبقها بتأويله، وكلهم يلتفتون لهذه العين استفسارا وتأملا ومراقبة..

من حكايات العين ومن دلالاتها..

رافقنا الفنانة في العديد من رحلاتها، حيث تأخذ لوازم العملية وتختار مكانا عاما، حدث ذلك في 24 جويلية الماضي، ارتدت المظلّة ووضعت معداتها في قفة السعف، وانطلقت بدراجتها الهوائية، هذه الدراجة التي كانت رفيقة ريم الدائمة وصديقتها الوفية في مختلف محطاتها الفنية، كذلك تعتبر ريم أنّ قيادة الدراجة الهوائية هي جزء من العملية الفنية، فالفنّ نبيل في أصله وجوهره ولا يمكن أن يشجّع على تلويث البيئة..

كان الاختيار هذه المرّة، على مدينة تونس العتيقة، هذه المدينة المصنفة منذ عام 1979 ضمن لائحة مواقع التراث العالمي لليونسكو، وهي قلب وروح العاصمة، يتراءى سحرها من فوق ربوة تطلّ على البحر وتمتدّ على نحو ثلاث كيلومترات، من باب الفلة وباب عليوة من الجهة الجنوبية، إلى باب سعدون في الجهة الشمالية، ونجد باب العلوج من الجهة الغربية، وباب البحر من الجهة الجنوبية..

هذه المدينة التي تعجّ بالقصور والأبواب والمساجد الضاربة في التاريخ، هذه المدينة التي ألهمت وسحرت ودوّنت مراحل مهمة من تاريخ تونس، شحبت بسبب الإهمال، فقد تآكلت قصورها وحاصرتها الأوساخ وفقدت شيئا من بريقها وعبقها، رغم محاولات الصيانة هنا أو هناك، أو المساعي الجادة لمزيد ترميمها،  هنا قامت ريم بجولة لإلصاق العيون، كأنها بمثابة عين على خصوصيات التراث الوطني، عين على مصالحة الإنسان مع تاريخه وماضيه وجيناته ومكوناته، عين على تثمين التراث ورعايته، فتونس تمتلك  رصيدا متنوعا متعددا يمكن اعتماده كمنطلق للابتكار والتجديد لتكريس المقروئية المعرفية والاقتصادية لإدماج التراث بمختلف مكوناته وعناصره المادية وغير المادية والبيئية في الدورة الاقتصادية.. عين على المناطق التراثية إذن حتى تشعّ من جديد وتنبض بأسرارها، وعين للدولة التونسية كي تضع سياسة وطنية لصون التراث الثقافي المادي وغير المادي.

خلال جولتها بالمدينة العتيقة، لفت انتباهها أيضا “ميضة” في أحد جدران جامع الزيتونة العريق، ” الميضة” أو ذلك المكان الذي يشرب فيه العطشى ويتطّهر ويغتسل فيه المصلين وحتى العابرين لم يكن كذلك طاهرا، حيث تنبعث منها رائحة شديدة القرف، فارتأت ريم أن تلصق عينا هنالك، فانتبه لها أحد حراس الجامع واستفسر منها ماذا تفعل؟ وكان مستاء نوعا ما، فسّرت له ريم حكاية العين، واستفسرت بدورها عن الرائحة  القذرة، وقالت له “عين نضعها لننتبه لنظافة المكان، عسى أن تصبح النظافة من أولوياتنا، عندها ذهب استياؤه وتحفّظه وقام بمساعدتها على إلصاق العين.

من حكايات ريم سعد أيضا أنها ألصقت عينا على المكتبة الوطنية، أو بالأحرى عين على الكتاب والقراءة، عين على جعل القراءة كالنفس، نختنق دونها، على دفع واستحثاث حركة الكتابة والنشر وتنويع مضامين الإصدارات المكتوبة، عين على جعل الكتاب كمحرك من محركات اقتصاد الثقافة وتنوير الوعي والارتقاء بالحس والذوق الإنساني، عين على إيجاد السبل الذكية لترسيخ المطالعة كممارسة ثقافية يومية متأصلة في المجتمع التونسي، عين على النهوض بمعدلات القراءة والمطالعة لدى المجتمع التونسي.

وكما العيون لا تنتهي تأويلاتها لا تنتهي الأفكار أبدا، وتبدأ الحكاية كلّ مرّة من الفضاء العام وترتطم بكل مكوّناته وحيثياته وهزاته ونبضاته.

في حي هلال والسيّدة

حدث ذلك في شهر جويلية المنقضي حيث حملت ريم عدّتها وانطلقت إلى حي هلال واستقرت في مقهى نسائي في الجهة، وكان النشاط الذي أمنته الفنانة بمثابة متنفّسا للأطفال والتلاميذ هناك، نشاط ثقافي فكري يكسّر القوالب ويولّد احتمالات أخرى لأفضل نسخة يمكن أن يصنعها الفكر الحر ويغذّيها الأمل.

هناك التقت ريم ببعض تلاميذ  وتلميذات حي هلال وحي السيدة  حيث قامت بعرض العين التي تفاعل معها الأطفال، فالفنون أيضا كما الفلسفة تثري خيال وشغف الأطفال حتى أنهم اختاروا  وضع عين على مدرستهم وعين على مستوصف الجهة، كانت عينا تسرد تشبّث الأطفال بدراستهم وأحلامهم، تسرد تملّكهم لحقوقهم وإرادتهم لحياة أكثر مساواة وعدلا.

عين “دروفا”

لم يبق من عين “دروفا” غير ما تبقى من ذكريات أهل الوطن القبلي، حيث كانت هنالك عين ماء طبيعية يشرب منها الجميع  دون استثناء، ولكل عين ماء حكاياتها وسردياتها وتاريخها وشخوصها، وهنا تقول ريم سعد :” وضعت عينا إحياء لذكرى عزيزة على أهل الوطن القبلي، أذكر جيدا  عين “دروفا” التي تدرّ ماء نقيا يسقى منه الجميع، ماء غذّى طفولتنا وأخصب خيالنا، العين المفتوحة التي ألصقتها للذكرى أردت أن أحيي من خلالها عين  الماء التي أغلقت أمام الناس  بعد أن كانت مفتوحة في الماضي”،  وتجدر الإشارة أنه بعد سنة 2011 أغلقت منطقة العين ولم تعد للجميع وأصبحت شركة خاصة لاستغلال وتوزيع المياه!.. 

في وضح النهار

تصرّ ريم سعد على إلصاق العيون في وضح النهار وتقول :”الفنان لا يخفي شيئا، يعبّر في وضوح الشمس وعلى مرأى من الجميع، هي ليست مسألة شجاعة ووضوح فقط بل هي أيضا مسألة وعي وانتماء للفضاء العام وحلقة وصل للمشترك بيننا، علينا أن ننهي فنيا ورمزيا زمن التعبير خلسة.. فالوضوح أحقّ بالمعرفة وبالفن والأمل وتضيف سعد في ذات المعنى :” لا بد أن يقوم الفنان بدوره أكثر فأكثر، بما يمكن أن يهبنا الأمل خلال الفترات التاريخية الثورية والسياقات التي تسجّل نبض الشعوب وبما يمكن أن يتأسس لمضامين ثقافية وفكرية”.

العين المستنيرة بضوء الشمس تغذّي فكرة استيقاظ الوعي واستنهاضه، تنبهنا للاستفاقة دوما والتأمّل والتمعّن والتفكّر والتنوّر..

وتحمل الفنانة ريم  سعد ملصقات نسخ مبتكرة للـ”العين”  عن لوحة فنية اشتغلت عليها بتقنية الفسيفساء المائية  بيعت في أحد معارضها،  تجمع العين ألوان إفريقيا والبحر المتوسط وتكتنز درجات  وألوان كوكبنا الأرض بمختلف تنوعات سكانها وأعراقهم وأعرافهم واختلافاتهم. وتحمل صورة  “العين” عدّة دلالات ورمزيات  حسب الثقافات والحضارات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى يخضع لحقوق ملكية
إغلاق
إغلاق
Skip to content