مقالات

المفاوضات مع صندوق النقد الدولي.. والسيادة الوطنية

حسين الرحيلي
متخصص في التنمية المستدامة

مقدمة:

رغم أن تونس قد انخرطت العديد من المرات في مفاوضات مع صندوق النقدي الدولي، الا أن المفاوضات، قد شكلت حدثا مهما تناقضت فيه المواقف وتعددت حولها القراءات، والتي تصب كلها حول خطورة هذه المفاوضات الجديدة مع صندوق النقد الدولي. كل ذلك إذا اعتبرنا أن المفاوضات التقنية لم تكن في صالح الطلب التونسي، الذي كان يمني النفس بقرض بأربعة مليارات دولار. بل لم يقدم الصندوق الا 1.9 مليار دولار وعلى أربعة سنوات؟

كما وجب التذكير أن الملف الأول الذي تم تقديمه لصندوق النقد الدولي كان زمن حكم المشيشي وحركة النهضة منذ 2021، في وضعية كارثية للبلاد على كل المستويات: الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والوبائية. اضافة إلى تضخم الدين العمومي إلى مستويات غير معهودة. وهو ما يجعل من المفاوضات مع صندوق النقد الدولي في هذه الظروف على مستقبل الشعب وعلى سيادته الوطنية.

المسار التاريخي لعلاقة تونس بصندوق النقد الدولي

انخرطت تونس في صندوق النقد الدولي يوم 24 أفريل 1958. ويمثل هذا الصندوق الذراع النقدي للنظام الرأسمالي، الذي كان أحد ادواته التي تمخض عنها مؤتمر “بروتن وودز “. كما أن صندوق النقد الدولي ليس مؤسسة مالية تمنح القروض لإنجاز مشاريع التنمية، بل مؤسسة لا يتدخل الا عندما تمر الدول بأزمات مالية واقتصادية، لتفرض شروطها وخياراتها الليبرالية التي تخدم الرأسمال العالمي والشركات العابرة للقارات والاستثمارات الاجنبية.

تاريخيا، تعاملت تونس قبل 14 جانفي 2011 مع صندوق النقد الدولي مرتين فقط طيلة 54 عاما. فكانت المرة الأولى سنة 1964 ابان تجربة التعاضد. في تلك الفترة تراجعت موارد الدولة وارتفع مؤشر التضخم إلى حدود 26 % مع ارتفاع مهول للكتلة النقدية في البلاد. كل ذلك خلق انخراما في التوازنات المالية الكبرى للبلاد. فالتجأت الحكومة آنذاك إلى صندوق النقد الدولي لمساعدتها طبقا لتعليمات البنك الدولي الذي كان بالتوازي يمول تجربة التعاضد. وطبعا تدخل الصندوق كان مشروطا بجملة من الاجراءات أهمها: خفض قيمة الدينار بحوالي 25 %، وتوخي سياسة تقشفية من خلال تأجيل كل المشاريع التي لها الطابع الاجتماعي والتربوي والصحي. مقابل ذلك قدم قروض بقيمة 30 مليون دينار خلال ثلاث سنوات.

أما المرة الثانية في علاقة تونس بصندوق النقد الدولي فكانت سنة 82-83، عندما وصلت سياسات الانفتاح إلى اقصاها، وبنتائج كارثية على الاقتصاد الوطني، والذي تحولت بفعلها ومن خلالها البلاد الى فضاء للمناولة للشركات الاوروبية خاصة.

وهذه الظروف كلها هي الفضاءات المناسبة ليعود صندوق النقد الدولي للبلاد. فكانت عودته هذه المرة ببرنامج اصلاح هيكلي أكثر قساوة على الشعب من ناحية، وأكثر وضوحا في أهدافه مقابل قرض قيمته حوالي 250 مليون دولار.

وتمحور هذا البرنامج الذي انطلق تطبيقه سنة 1984 حول:

  • تطهير المؤسسات العمومية وخصخصة 50% من عددها على الأقل، وخاصة المؤسسات الناشطة في القطاعات الانتاجية التنافسية
  • الشروع في تخلي الدولة على أدوارها الاجتماعية في مجلات الصحة والتعليم والنقل والثقافة      وغيرها من المجالات الاجتماعية الحيوية
  • رفع الدعم على المواد الاساسية والطاقة

والكل يتذكر نتيجة قرار رفع الدعم على الخبز في جانفي 1984، أو ما يعرف بأحداث الخبز التي زلزلت أركان النظام السياسي آنذاك وسرّعت بشروط حسم الصراع الداخلي بين المتنافسين عن خلافة بورقيبة، والذي توج بانقلاب 7 نوفمبر 1987. هذا الانقلاب الذي واصل أصحابه تطبيق شروط صندوق النقد الدولي بكل تفاصيله.

تعمقت العلاقة ما بعد 14 جانفي 2011، بين الحكومات المتعاقبة وصندوق النقد الدولي، اذ تعاملت معه في ظرف 10 سنوات فقط ثلاث مرات متتالية.

فكانت 2011 سنة رجوع صندوق النقد الدولي بعد 1984، هذه العودة كانت مغلفة بشعارات الربيع العربي، ومساعدة تونس على الانتقال الديمقراطي وغيرها من الشعارات الرنانة التي تسبق ذبح البلاد ورهن أجيالها القادمة لأربعين عاما، وبالتالي تهديد السيادة الوطنية على كل المستويات.

ولئن لم تتمكن الحكومات المتعاقبة من تطبيق كل الشروط المفروضة من FMI، الا أن صندوق النقط الدولي اعتبر غلق باب الانتدابات واصدار قانون استقلالية البنك المركزي وهيكلة البنوك العمومية، وبيع الدولة لأسهمها في باقي البنوك جد مهم بالنسبة لسياساته المستقبلية في تونس. ولكن كل هذه ” الاصلاحات ” لم تمكن الحكومات المتعاقبة من اصلاح المالية العمومية ومن تحسين الأداء الاقتصادي. بل ان الشيء الوحيد الذي قامت به طيلة 10 سنوات الرفع من الدين العمومي، وتدمير ما تبقى من النسيج الاقتصادي المحلي وارتفاع نسب البطالة والفقر والتهميش وفتح البلاد للبضائع التركية في إطار اتفاقيات اقتصادية على المقاس.

وأمام هذا الوضع، لم يكن من حل أمام حكومة النهضة – النداء الا الالتجاء للحل السهل والمتمثل في قرض ائتماني ثاني من صندوق النقد الدولي. وكان ذلك خلال سنوات 2016-2020 وبقيمة تقدر بحوالي 2.9 مليار دولار على اقساط. وكانت الاقساط وفق تقدم تنفيذ شروط صندوق النقط الدولي التي كانت متمحورة في النقاط التالية:

  • مواصلة غلق باب الانتداب بالوظيفة العمومية
  • التقليص من كتلة الأجور إلى حدود 12.8 % من الناتج المحلي الخام
  • الرفع التدريجي للدعم على المواد الأساسية والمحروقات
  • الشروع في التفويت في المؤسسات العمومية التي تعاني صعوبات مالية
  • التخفيض في قيمة الدينار

نظرا لضعف التحالف الحكومي من ناحية، وقوة الاتحاد العام التونسي للشغل والمجتمع المدني التقدمي من ناحية ثانية، فان لا حكومة الشاهد – النهضة ولا الفخفاخ النهضة، ولا حكومة المشيشي – النهضة استطاعت أن تحقق جزء من هذه الشروط. لذلك فإن صندوق النقد الدولي، وكرد فعل لعدم التزام الطرف التونسي بتعهداته، قد جمد في مرحلة أولى ثم الغى 1.2 مليار دولار من القرض الائتماني الأصلي.

لكن وخلال كل هذه الفترة 2013-2020، ورغم القروض التي تم تسلمها من طرف صندوق النقط الدولي والبنك العالمي، والتي وصلت إلى حدود 8 مليار دولار، أي حوالي 25 مليار دينار خلال 8 سنوات، فإن أوضاع البلاد واصلت التردي والانحدار في اتجاه الافلاس الفعلي للدولة ولمؤسساتها.

المفاوضات الجديدة مع الصندوق وتهديد ما تبقى من السيادة الوطنية

تأتي المفاوضات الجديدة مع صندوق النقد الدولي في وضع داخلي واقليمي دولي متقلب وصعب على كل المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والمناخية.

اذ تعيش تونس خلال هذه الفترة أزمة سياسية غير مسبوقة من خلال ما حصل ما بعد 25 جويلية، مما أثر على الاستقرار السياسي. كما أن الاجراءات الاستثنائية من ناحية، ومركزة كل القرارات السياسية في يد رئيس الدولة من ناحية أخرى، اضافة إلى غياب الكفاءة والجرأة والتجربة لدى حكومة الرئيس، قد ساهم في تعدد وتأزم الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للمواطنين إلى حد أن المواد الأساسية الرئيسة أصبحت نادرة وهي سابقة في تاريخ تونس. كما يبلغ التضخم نسب قياسية وصلت نهاية شهر أكتوبر 9.2 %، مما عمق الحياة اليومية للتونسي. كل ذلك زد عليه الآثار السلبية والمباشرة للحرب الروسية الاكرانية وما خلفته من ارتفاع كبير لأسعار الحبوب والنفط مما عمق ميزان الدفوعات والمالية العمومية.

في اطار كل هذه الظروف الاستثنائية التي تعيش على وقعها تونس وعلى كل المستويات. ذهبت حكومة الرئيس الى صندوق النقد الدولي في مواصلة لما قامت به حكومة المشيشي خلال شهر ماي 2021، وبنفس الالتزامات أو التعهدات التي يطالب بها دوما الصندوق والتي تتمحور حول:

– رفع الدعم على المواد الاساسية والمحروقات،

– فتح ملف المؤسسات العمومية للتفويت فيها،

– الاصلاح الجبائي من خلال مزيد الضرائب على الأشخاص الطبيعيين والتقليص من الضرائب على الشركات بتعلة جلب الاستثمارات الأجنبية.

اضافة إلى ما يطلق عليه بالإصلاحات الموجعة والتي ستتركز على مزيد تخلي الدولة على أدوارها في مجال التعليم والصحة والنقل، وكل ما له من علاقة بالمجال الاجتماعي. كما أنها أعلنت على تعهدها القديم الجديد حول التقليص من كتلة الأجور عبر المواصلة في غلق باب الانتدابات بالقطاع العام والوظيفة العمومية عبر آليات قديمة جديدة مثل الخروج الطوعي والتقاعد المبكر وغيرها من الآليات الهادفة إلى افراغ الوظيفة العمومية من طاقاتها وكوادرها لصالح القطاع الخاص.

ارتباطا بالظروف الحرجة التي تمر بها تونس، اضافة إلى الوضع الاستثنائي للبلاد على المستوى السياسي وعدم الاستقرار. وانطلاقا من أن تونس قد اثبتت للصندوق خلال القروض الائتمانية السابقة أنها تلميذ غير نجيب. فإن صندوق النقد الدولي سيحاول التعامل مع تونس مستقبلا على مقاس وضعية اليونان سابقا. أي أن خبراء الصندوق والبنك الدولي والاتحاد الاوروبي هم ما سيتكفلون بالإدارة المالية للدولة خلال مرحلة القرض الجديد. وهو ما يعني اننا سندحل مرحلة جديدة من لجنة الكوميسيون المالي ولكن بأشكال جديدة متطابقة مع العصر.

لذللك فان هذه الجديدة مع صندوق النقد الدولي و التي انهت الجزء التقني منه، ستكون السيادة الوطنية في الميزان. ونظرا لأن الطرف الحكومي المفاوض يعتبر في هذه المفاوضات الحلقة الاضعف، وهمه الأول الحصول على القرض ليحسن من وضعية المالية العمومية من ناحية، ويفتح له الباب للاقتراض من باقي المانحين من ناحية أخرى. في إطار دخول بلادنا و منذ حكومة الترويكا الأولى حلقة التداين التي هي مدخل أساسي للتفريط في السيادة الوطنية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى يخضع لحقوق ملكية
إغلاق
إغلاق
Skip to content