مقالات

تونس ضحية ابتزاز صندوق النقد الدولي والقوى الطاغية عالميا

المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية ينشر دراسة حديثة:

مجدي الورفلي
صحفي

كشف المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، خلال ندوة صحفية عقدها بمقر النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، عن دراسة بعنوان “ميزانية 2023: نتاج تغوّل القوى الطفيلية المهيمنة داخليا وضحية ابتزاز صندوق النقد الدولي والقوى الطاغية عالميا”.

وتضمنت الدراسة توصيفا لتأثير تدخل القوى السياسية والمالية العالمية، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي والاتحاد الاوروبي، على اتجاهات ميزانية الدولة لسنة 2023، وخطوطها العريضة والسياسة التقشفية التي تم بناء ميزانية الدولة لسنة 2023 عليها، والتي أكدت الدراسة أنه ولأول مرة يحصل إجماع شامل على رفضها، تجاوز مجرد إصدار بيانات ليبلغ حد تهديد بعض النقابات المهنية بالعصيان الجبائي.

حيث أوردت الدراسة، المعنونة بميزانية 2023: نتاج تغوّل القوى الطفيلية المهيمنة داخليا وضحية ابتزاز صندوق النقد الدولي والقوى الطاغية عالميا، أن هذه الميزانية استجابت لأهم شروط وإملاءات صندوق النقد الدولي، التي تهم تقليص الدعم وكتلة الأجور في الوظيفة العمومية ومعالجة وضع المؤسسات العمومية كما اعتمدت السياسات التقشفية التي ينادي دائما الصندوق بتطبيقها رغم نتائجها السلبية المسجلة في كل الحالات تقريبا.

واعتبرت الدراسة أن صندوق النقد الدولي أصبح يمارس بصفة مكشوفة ومتهورة ومذلة سياسة ابتزاز تونس قصد اخضاعها لأكثر تنازلات من شأنها أن تعمق الاختيارات النيوليبرالية وتفتح مجالات أكثر لتموقع الرأسمال العالمي في تونس وتوفير ضمانات أكبر لمصالحه واسترجاع قروضه التي أصبحت تثقل كاهل الميزانية العمومية وتنبئ بعدم القدرة على تسديد الديون العمومية.

هذا الابتزاز، وفق ما أوردته الدراسة، هو تتويج لعملية محاصرة ومتابعة لصيقة فرضتها القوى العالمية منذ ما وقع تسميته بـ”الربيع العربي”، وهذه العملية كانت تهدف منذ البداية إلى ضمان استمرار تطبيق الخيارات النيوليبرالية وعدم الخروج عنها. حيث كانت أهم القوى السياسية والاجتماعية التونسية سنة 2011 تنادي كلها تقريبا بضرورة ايجاد بديل تنموي يقطع مع المنوال النيوليبرالي الذي تسبب في ارتفاع البطالة خاصة لدى الشباب الحامل للشهائد العليا وفي انتشار العمل الهش واستفحال المنطق السلعي واكتساحه كل ميادين الحياة بما فيها الصحة والتعليم والثقافة والملاعب الرياضية ورياض الأطفال، إلى جانب اتساع الفوارق الاجتماعية والجهوية وتراجع حجم الطبقة الوسطى وانتشار الفساد ومحاصرة الحريات وتغول المافيات واللوبيات والكناطرية، الشيء الذي أدى في آخر المطاف إلى انهيار النظام السياسي في أوائل 2011.

وتضيف الدراسة، التي أنجزها الباحث عبد الجليل البدوي، أن هذا التخوف من البدائل المهددة للمصالح الغربية دفع إلى تكوين تحالف بين أهم المؤسسات المالية والبلدان المقرضة بزعامة صندوق النقد الدولي قصد التنسيق بينها والاتفاق على طريقة التعامل مع الثورات العربية والشروط التي يجب فرضها عند تمويل بلدان الربيع العربي.

بعد 25 جويلية: ضغوطات أكبر

منذ 25 جويلية 2021، وفق ما أكدته الدراسة، تم تسجيل ارتفاع واضح لنسق ضغوطات ومحاولات الابتزاز، حيث أنه في غياب معرفة جيدة لشخصية رئيس الدولة ولأفكاره وانتماءاته وبرامجه أصبح هناك تخوف كبير أن يكون 25 جويلية 2021 منعرجا يهدف الى محاربة الفساد بكل أنواعه، لينتهي في مرحلة لاحقة التخلي عن الاختيارات النيوليبرالية الضامنة لمواقع ومصالح القوى العالمية وأذنابها الداخلية، وفق ما ورد في الدراسة الحديثة التي تلقت “الجريدة المدنية” نسخة كاملة منها واطلعت عليها.

وهذا التخوف لا يعنيه الوضع الكارثي الذي أصبح عليه الاقتصاد التونسي نتيجة لاختيارات اقتصادية ساهمت القوى الغربية في ارسائها وتمويلها، ذلك أن كل ما يهم القوى العالمية المهيمنة هو مواقعها ومصالحها لا غير، لتضيف نفس الدراسة انه ومن هذا المنطلق فإن تخوفها قد زاد حدة عند رفض رئيس الدولة صراحة القبول بإملاءات وشروط صندوق النقد الدولي لأنها لا تأخذ بعين الاعتبار خصوصية الوضع الاجتماعي والمستحقات التنموية التي يفترضها الوضع التونسي.

وهذا الرفض وقع اعتباره بمثابة التحدي للمنظومة العالمية القائمة لا يمكن السكوت عنه. وفى هذا الإطار ارتفعت الأصوات التي تحذر من قرب انهيار الاقتصاد التونسي وخطر المرور إلى نادي باريس، وبالتوازي تم تسجيل تصاعد الضغوطات والابتزازات غطاء شعارات عديدة باسم “الحرص على انجاز اصلاحات ضرورية لإنقاذ الاقتصاد التونسي” وباسم “حماية الحريات ومسار الانتقال الديمقراطي”.

لتخلص دراسة “ميزانية 2023: نتاج تغوّل القوى الطفيلية المهيمنة داخليا وضحية ابتزاز صندوق النقد الدولي والقوى الطاغية عالميا”، إلا أن تنامي هذا الابتزاز كان في ظل تعمق خطير لأزمة الميزانية التي تحتاج الى تعبئة موارد مالية خارجية بما يقارب 15 مليار دينار، سيمنح منها صندوق النقد 1.9 مليار دولار، أي حوالي 5.7 مليار دينار، فقط يقع صرفه على 8 أقساط على امتداد 4 سنوات أي بمعدل سنوي لا يتجاوز حوالي 1425 مليار دينار وهو مبلغ هزيل جدا مقارنة بالحاجة الى 14.9 مليار دينار، ينضاف لها اعتماد الصندوق سياسة الضغط وابتزاز السلطات التونسية عبر مطالبتها بأكثر تعهدات وإجراءات.

تحذير من التقشف

دراسة “ميزانية 2023: نتاج تغوّل القوى الطفيلية المهيمنة داخليا وضحية ابتزاز صندوق النقد الدولي والقوى الطاغية عالميا”، حذرت في حيز منها مما تضمنته الميزانية من إجراءات تقشفية، مستشهدة بدراسة أخرى أنجزتها المنظمة العالمية OXFAM حول السياسات التقشفية المعتمدة في البلدان الأوروبية بعد أزمة 2008، والتي كادت ان تعصف بالنظام الرأسمالي العالمي.

وفي نفس سياق المحاججة بسلبيات السياسة التقشفية ومخاطرها، أوردت الدراسة ان هذه السياسات هي شبيهة ببرامج الإصلاح الهيكلي التي وقع فرضها على بلدان أمريكا اللاتينية وآسيا الشرقية الجنوبية وافريقيا في السنوات 80 و90 من القرن الماضي، والتي أدت الى نتائج سلبية في أغلب الحالات، كما أن تطبيق نفس السياسات في البلدان الأوروبية قادت إلى نفس النتائج حيث انها تسببت في تكاليف اجتماعية باهظة، من ارتفاع كبير للدين العمومي، وتنامي سريع للفوارق الاجتماعية.

كما تشمل الانعكاسات السلبية لسياسة التقشف ومخاطرها التي عددتها الدراسة، تقلص نسق النمو وارتفاع حجم البطالة والفقر، كما أن ثلاثة سنوات من اعتماد السياسات التقشفية في أوروبا تشير على ضوء تجارب بريطانيا واسبانيا والبرتغال واليونان بأن هذه السياسات عندما تكون قاسية تقود إلى تسجيل أعلى مستوى للديون العمومية، وتسفر عن تعطيل الآليات التي كانت تساهم في الحد من الفوارق الاجتماعية وذلك عبر تراجع أهمية النفقات العمومية الموجهة للخدمات الاجتماعية ومزيد تدهور أوضاع الشرائح الأكثر هشاشة وفقرا.

لتخلص الدراسة المنجزة من طرف المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، إلى ان مثل تلك النتائج أدت الى اعتبار ان السياسات التقشفية هي بمثابة الدواء الهادف لمعالجة المرض والذي ينتهي بقتل المريض، مضيفة ان الاقتصادي المعروف Stiglitz والمتحصل على جائزة نوبل سنة 2011، حذر من أن “موجة السياسات التقشفية التي انتشرت في أوروبا بعد ازمة 2008 ستعصف بالنموذج الاجتماعي الذي يميز كل المجتمعات.

مقترحات لتجاوز الأزمة

دراسة “ميزانية 2023: نتاج تغوّل القوى الطفيلية المهيمنة داخليا وضحية ابتزاز صندوق النقد الدولي والقوى الطاغية عالميا”، تضمنت في حيز منها مقترحات لتجاوز أزمة المالية العمومية في تونس دون اللجوء إلى اعتماد سياسة تقشفية أو الرضوخ لضغط صندوق النقد الدولي وإملاءاته.

ومن أهم المقترحات التي أوردها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية في دراسته، تكثيف التعاون مع الجزائر خاصة أنها عبرت في عديد المرات عن حرصها للوقوف بجانب تونس لتجاوز أزمتها المالية والاقتصادية الحالية، والذي قالت الدراسة انه لا يمكن اعتباره نوع من التدخل السافر في الشأن التونسي لأنه بالنسبة للجزائر كانت تاريخيا تمثل تونس دائما العمق الاستراتيجي للجزائر في الفترات الحاسمة والصعبة والعكس صحيح، كما أن تونس تمثل منطقة آمنة لعبور الغاز الجزائري نحو اوروبا التي تعتبر أهم سوق للموارد الطبيعية الجزائرية ومن الطبيعي أن تكون للجزائر مصلحة كبرى في استقرار تونس.

وفي هذا الإطار، أوردت دراسة المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية انه يمكن تكريس إجراءات عملية سهلة التطبيق وقوية المردود كتمكين تونس من وديعة بمليار دولار يقع ابداعها بالبنك المركزي التونسي قصد تسهيل البحث عن قروض ثنائية التنسيق بين الحكومة الجزائرية والحكومة التونسية لتسهيل وتشجيع تنقل التونسيين والجزائريين عبر الحدود قصد إنجاح الموسم السياحي التونسي وتطوير العلاقات التجارية بين البلدين.

كما تشمل الاجراءات التي تقترحها الدراسة، السعي الجاد الى إعادة تفعيل اتفاق التعامل بالعملات المحلية التونسية والجزائرية في المبادلات التجارية وترك الباب مفتوح إلى انضمام بلدان أخرى من شمال افريقيا، مشيرة الى ان مثل هذا التعامل وقع العمل به سابقا اثناء فترة فرض الحظر الشامل على ليبيا شمل النقل الجوي في بداية التسعينات بالإضافة الى ما عاشته الجزائر في نفس العشرية من صراعات دموية بين السلطة الجزائرية والحركات الإسلامية الإرهابية. حيث  وقع اتفاق رائد بين تونس والجزائر وليبيا يقضي بإقرار التعامل بالعملات المحلية الثلاثة في المبادلات التجارية بين البلدان الثلاثة بتدخل من البنوك المركزية التابعة لها عبر عملية مقاصة فيما بينها، وكان هذا الاتفاق يهدف الى المساهمة في فك الحصار عن ليبيا والتخفيف من معاناة الشعب الجزائري، وفق ما ورد في الدراسة.

كما اقترحت الدراسة، تنويع العلاقات الدولية في اتجاه الصين ومجموعة البريكس، الذي يجب ألا يندرج في إطار مواصلة البحث عن موارد خارجية تزيد من عبء التداين الخارجي على حساب التعويل على النفس وتعبئة أكثر ما يمكن من موارد داخلية، ولا يمكن كذلك ان يمثل هذا التوجه بديلا للعلاقات التقليدية القائمة رغم غياب الاتفاق مع صندوق النقد الدولي وممارسات الدول المصطفة ورائه.

حيث أكدت الدراسة، أن التوجه نحو الصين ومجموعة البريكس سيكون توجها سليما إذا اندرج في إطار الحرص على تفادي الارتبان لمحور او لقطب او لجهة معينة مهما كانت، والعمل الدؤوب على توسيع وتنويع الشركات على قاعدة التنمية المتضامنة والمصلحة المتبادلة.

كما أن التوجه نحو مجموعة البريكس وخاصة الصين يجب ان يصاحبه التوفق إلى تفاهم سريع مع الصين التي تسجل معها تونس عجز تجاري مرتفع جدا بلغ 8532.5 مليون دينار أي ما يعادل قرابة 34% من قيمة العجز التجاري لكامل سنة 2022.

وبالاستناد إلى هذا المعطى يمكن ان تطالب تونس باكثر توازن في العلاقات بدون اللجوء الى الحد من الواردات الصينية، مقابل تحقيق أكثر استثمارات صينية لإنجاز مشاريع كبرى مهيكلة للدورة الاقتصادية التونسية مثل توسيع وتطوير شبكة السكك الحديدية انجاز مشاريع كبرى في مجال تحلية المياه الجوفية ومياه البحر، انجاز مشاريع في مجال انتاج الطاقات البديلة، بالإضافة الى إقتراح اسناد الصين لتونس وديعة بمليار دولار وقروض ميسرة التكاليف وطويلة الأجال توظف لإنجاز مشاريع نساهم في انتعاش الاقتصاد التونسي. 

تصريف أعمال

الخبير الاقتصادي وعضو المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية عبد الجليل البدوي أفاد في تصريح ل”الجريدة المدنية”، إنّ الابتزاز الذي تتعرّض له تونس على المستوى المالي والاقتصادي والاجتماعي، من قبل القوى المانحة، والتي أسماها بـ “القوى الطفيلية داخليا”، أصبح واضحا ومكشوفا، وفق تعبيره.

وأضاف البدوي، في تصريح ل”الجريدة المدنية” على هامش الندوة الصحفية لتقديم الدراسة حول ميزانية تونس 2023، أنّ الدراسة توصلت إلى خلاصة  مفادها أنّ السلطة التنفيذية تكتفي بالتصريف اليوم للأعمال”، مشيرا الى أن ميزانية تونس لسنة 2023 تعتمد سياسة تقشفية.

حيث اعتبر الخبير الاقتصادي، أنّ ميزانية 2023 حرصت على إيجاد التوازنات المالية على حساب البعد الاجتماعي والتنموي، وذلك بإجراءات تقليدية لا تجديد فيها، اعتمادا على سياسية اقتصادية تضرب نسق النمو، ودعا البدوي إلى ضرورة اعتماد سياسات إنعاش اقتصادي من خلال مراجعة المحركات الاقتصادية والأولويات.

كما يرى البدوي أنه على تونس طلب وديعة من الجزائر لتسهيل الحصول على قروض من المانحين الدوليين، واحياء اتفاقات التبادل بالعملات المحلية بين تونس وليبيا والجزائر، بالإضافة الى ملف الهجرة الذي يمكن ان تستعمله تونس لطلب إعادة النظر في ملف الشراكة مع الاتحاد الأوروبي والمطالبة بإلغاء الديون الثنائية.

Skip to content