مقالات

حكومة البنادول

فطين حفصية
صحفي
بعد 11 أسبوعا عن التدابير الاستثنائية وأقل من أسبوعين عن تكليف رئيسة الحكومة نجلاء بودن بتشكيل حكومة جديدة  تصاعد الدخان الابيض من قصر قرطاج بعد الكشف عن تركيبتها التي سبقتها في الزمن حالة عطالة حكومية غير مسبوقة مع حكومة هشام المشيشي المعفاة  وذلك إثر ” انسداد ” طريق  أداء اليمين الدستورية أمام عدد من وزرائها   وفراغ 7 حقائب فيها ما استدعى تسييرها بالنيابة، خطوة اعتبرت توضيحا للمسار الحكومي المرتقب دون تحديد سقف زمني لكن هذه الحكومة  ستكون على أية حال كالساعة الرملية تقلب كلما فرغ ترابها الأعلى لتعود تملأ ذاتها وهي في المكان نفسه إلى أن تزول أسباب الوضع الاستثنائي أو بشكل أكثر تبسيطا ستشتغل حتى إشعار آخر.
 
في قراءة عددية سريعة لتركيبتها يمكن القول إنها حكومة تقترب بنسبة كبيرة من المناصفة بعد أن ترأستها في سابقة تونسية وعربية إمرأة فمن جملة  24 عضوا هناك 10  نساء إحداهن بحقيبة ذات سيادة ،وضمت هيكلتها فضلا عن  الوزارات السيادية الأربع  6 وزارات تقنية  مقابل 12 بين متخصصة وقطاعية وكتابة دولة وحيدة تهم الشأن الديبلوماسي في حين  احتفظ  3  من وزراء الحكومة السابقة بمناصبهم مقابل عودة وزير مقال إلى وزارة الداخلية ، وأخيرا تعتبر هذه الحكومة من بين أقل الحكومات عددا منذ 2011.
 
أما إذا اتجهنا إلى قراءة عناوينها الكبرى وسياقها العام  وهو الأهم فإنها  حكومة خصوصية لظرف مخصوص- بغض النظر عن القراءات القانونية – تتطلب ” عقلا اقتصاديا اجتماعيا “وازنا يشتغل بوضوح  وذلك  لطبيعة الأوضاع التي تعيشها البلاد ودوامة السقوط التي طالت قطاعات حساسة ومؤسسات عمومية عدة  ، وما يجعل منها استثناء من جهة أن ” طباخيها ” هذه المرة ليسوا أنفسهم الذين كان يهندسون شكلها وتركيبتها وهيكلتها في إشارة إلى الطبقة السياسية التي توالت على وضع بصمتها الحزبية  في أي حكومة ومن جهة أخرى ستكون مهمة هذه الحكومة جسيمة و”هرقلية” تستدعي قوة  عمل وتصور خارقة وجبارة كحال البطل الأسطوري في الميثيولوجيا اليونانية والرومانية هرقل لإخراج البلاد جزئيا من الهوة السحيقة للأزمة.
 
لا وجود طبعا لعصا سحرية بيد الحكومات لكن هناك وجود لبرامج حكومية واضحة منها الآني وقصير المدى ومتوسطه وبعيده في حالة الاستقرار السياسي والحكومي لكن في مثال الحال يبدو ترتيب الاولويات بالنسبة إلى ” حكومة الرئيس ” حجر الأساس في عملها وجدول تقييمها ، ومن المنتظر بعد أن تشرع في أداءها أن تكشف تباعا عن تفصيلات مهمة في برنامجها الذي اختصرته رئستها نجلاء بودن عند كلمة مقتضبة لها  في العنوانين الكبيرين  وهما إعادة  الثقة بين المواطن والدولة ومكافحة الفساد كأحد أكبر الأهداف.
عدم رمي كرة المسؤولية  
 
حدد المرسوم 117  المتعلق بالاجراءات الاستثنائية عمل الحكومة  وأفردها بأربعة فصول  هي 8  و17 و 18 و 19 فالفصل الثامن يقول بوضوح 《 يمارس رئيس الجمهورية السلطة التنفيذية بمساعدة حكومة يرأسها رئيس حكومة 》وتكون 《 هذه الحكومة بمقتضى الفصل 18 مسؤولة عن تصرفها أمام رئيس الجمهورية》 ما يعني الخروج بقوة الواقع من حالة الجدل القانوني الدستوري التي كانت قائمة إلى
مرحلة النقاش السياسي حول الحكومة خارج دائرة البرلمان الذي شبع موتا رمزيا منذ 25 جويلية قبل الموت الفعلي المؤقت.
وإذا كان الشارع إلى الآن هو التعبيرة الاحتجاجية للمعارضين لهذا التمشي والمؤيدين له  فإن إدارة النقاش العام إلى ما لا نهاية عبره لن تكون محكومة بالنتائج التي يراد لها التحقق فصراع ” الإرادات الشعبية ” المفتوح في تونس لا وسيلة أخرى لحسمه  إلا صناديق الانتخاب الديمقراطي وذلك في أقرب وقت ممكن ولا نجاح أو تقدم لحكومات لا تنظر إلى مرآة المعارضة الوطنية الحقيقية وتستمع لصوتها.
 
إن مسؤولية فشل هذه الحكومة من عدمه سيتحملها  رئيس الجمهورية الذي لا تخفى بصمته على تركيبتها إذ سنقف لاول مرة بوضوح  أمام تجاوز الحالة الانفصامية التي عايشناها طيلة الحكومات المتعاقبة : أحزاب تشكل الحكومة وحزامها السياسي وتعطيها الشرعية البرلمانية  وتقول إنها لا تحكم أو تصرح في أفضل الأحوال أنها في الحكم دون أن تمسك بمقوده  وقد “أتت اللحظة” هذه المرة لوقف هذه النسخة المشفرة من الحكم أو الحالة السياسية التونسية الفريدة طيلة ما يقرب من 10 سنوات  وتبين خيوط من يحكم ومن يعارض.
 
 ذهبت  وزارتان مفتاحان وهي  المالية إلى سهام البوغديري والاقتصاد والتخطيط إلى سمير سعيد وهما وجهان أكيديميان تقنيان إذ ستجد الحكومة نفسها قبل اتخاذ أي خطوة مطالبة بسد فجوة في الميزانية تقدر ب 2,75 مليار يورو أي ما يعادل 9 مليار دينار  وإقناع صندوق النقد الدولي بتمويل ذلك، وإذا أضفنا وضعية الصناديق الاجتماعية التي تتطلب إنعاشا مستعجلا وارتفاع نسبة البطالة التي بلغت 8, 17 خلال الربع الاول من العام الحالي حسب أرقام المعهد الوطني للإحصاء وتزايد الأسعار بنسب مائوية فلكية واهتراء الطبقة الوسطى وانكماش الاقتصاد  فإن هذه الحكومة ستشتغل وسط “مرجل غليان اجتماعي اقتصادي” قابل للانفجار في كل لحظة.
 
بعد 10 سنوات و10 حكومات يراوح السجال مكانه حول مكمن المشكل في تونس ما بعد 14 جانفي هل هو النظام السياسي أم غياب تصورات حكومية واقتصادية وطنية واضحة بعناوين كبرى ما أضاع على البلاد كثيرا من الوقت  وإن اتسع المختبر الحكومي لكل الأسماء  والتجارب
(حكومات وحدة وطنية – حكومات متخزبة وسياسية –  حكومات توافق-  حكومات كفاءات مستقلة)، وإذ  لاقت الخكومة الحديدة  ترحيبا حذرا من اتحاد الشغل وبعض الأحزاب والمنظمات الوطنية الأخرى ومزاجا عاما مرحبا بسد الفراغ  في انتظار توضح البرنامج الاقتصادي والاجتماعي والتنموي بعيدا عن ” الكلمات الإنشائية ” فإن هذا الإسناد الموصوف بالنقدي سيبقى محدودا في الزمن إذا فقدت الحكومة بوصلة الفعل والتغيير.
 
 غير بعيد عنا وفي بلد تتمازح أوجه شبهنا معه ذرف رئيس حكومة لبنان نجيب ميقاتي دموع السياسيين بالقول 《إن اللبنانيين باتوا عاجزين عن إيجاد حبة بانادول》 لتهدئة أوجاعهم بعد الأزمات القاسية التي تعرض لها البلد الفسيفسائي، أما في تونس فإن أغلب الطيف السياسي الفاعل يكاد يتفق على عدم القفز نحو المجهول وتجاوز حالة الإنكار لوضعية 24 جويلية على أن لا تكون حكومة السيدة بودن حكومة بانادول مسكنة مؤقتا لآلام البلاد عديدة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى يخضع لحقوق ملكية
إغلاق
إغلاق
Skip to content