مقالات

عزوف التّونسيين عن التّبرع بالدّم زمن الوباء: خوف من التقاط العدوى.. تراجع في المخزون وإشكالياتٌ تنتظرُ حلولًا

بقلم : علاء حمّودي

ألقى انتشار فيروس كورونا منذ بداية العام الحالي بظلاله بشكل واضح على تراجع المخزون الوطني للدم بسبب تخوف التّونسيين من انتقال العدوى إليهم، حيث تراجع الإقبال على التّبرع بالدّم وباتت حياة الكثيرين مهددة بسبب غياب كيس دمٍ لا يحتاج الانتظار، خاصة من يعاني منهم الأمراض الدّموية والسّرطان والقصور الكلوي وفقر الدّم الوراثي لدى الأطفال فضلًا عن الحالات الاستعجالية بسبب حوادث الطرقات ونزيف الولادة لدى الحوامل وغيرها.

طرحنا إشكال العزوف عن الإقبال على التّبرع بالدّم على عدد من متطوعي الهلال الأحمر التّونسي، الذي يمثل شريكا مهما للمركز الوطني لنقل الدّم، وعلى عدد من مواطنين، فأكدوا بأن الأمر متعلق أساسًا بالتّخوف من انتقال عدوى فيروس كورونا أثناء عملية التّبرع، وهنا يقول(ص.م) إنه اعتاد التّبرع بشكل منتظم لكن انتشار الوباء منذ بداية العام الحالي دفعه إلى اختيار الابتعاد عن هذه العادة الحميدة حتى انقشاع الضباب وعودة الحياة إلى مساراتها العادية.

 

إشكاليات يواجهها المتبرعون

في لقاء جمعني بأحد المتبرعين المتطوعين(أ.ي) فسر عملية التّبرع بالدّم بطريقة سلسة حيث تخصُ الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و 60 عامًا وفي نوعين مختلفين من التّبرع، الأولى هي التّبرع بالدّم الكامل ويمكن فيها للمتبرع المنتظم بين أربع وستِ مراتٍ طيلة السّنة(كل شهرين أو ثلاثة أشهر)، والثّانية هي التّبرع بالصُّفيحات(أو الصَّفائح) وهي ممكنة كل أسبوعين اثنين، ما يعني أن المتبرع قادر على القيام بهذه العملية بين 25 و28 مرة طيلة العام، مع التّنويه بأن هذه الأرقام خاصة بالذّكور وتنخفض لدى النّساء بسبب فقدان الأنثى البالغة لكميات من الدّماء بسبب العادة الشّهرية.

"تراجع الإقبال بسبب التّباعد الاجتماعي وحالة الحجر الصّحي العام إضافة إلى الخوف من التقاط عدوى الفيروس التّاجي لدى التّنقل".

محدثنا الذي يحمل بطاقة متبرع بالدّم منذ أربع سنوات قال إن التّونسي يحتاج إلى تغيير فكرته عن عملية التّبرع بالدّم الممكنة والآمنة وأشار إلى أن الأمر ثقافة يجب أن تُرسخ وأن يتم العمل عليها من قبل المركز الوطني لنقل الدّم والمجتمع المدني ووسائل الإعلام لإلقاء الضوء على الجانب الإيجابي فيها، لا التّركيز على الجانب السّلبي الذي تغطيه أفكار سوداوية مسبقة لا غير، خاصة بأن الحصول على أكياس الدّم لمن يحتاجون عمليات سيمرون بسوق موازية، وهنا أشار إلى أنه ورغم توفره على بطاقة متبرع إلا أن الكثيرين مثله يواجهون إشكالًا يتمثل في تمكينهم من أكياس دمٍ لأقارب أفقيًا(الوالدين والأطفال)وتسمى هنا بالمتلقين الإيجابيين، أما عموديًا(الأخ والأخت) فيكونون متلقين سلبيين ويطالب فيها المتبرع بتوفير أكياس دمٍ جديدة غير التّي منحها طواعيةً، وهي إشكالية تحتاج حدّ تعبيره حلًا عاجلًا.

وهنا يؤكد(أ.ي) بأن الفترة الماضية تراجع فيها الإقبال لسببين بسيطين لا غير، الأول هو التّباعد الاجتماعي وحالة الحجر الصّحي العام التّي حالت دون التّنقل العادي للمتبرعين المنتظمون منهم والجدد، والثّاني هو ولا شكٍ الخوف من التقاط عدوى الفيروس التّاجي لدى التّنقل.. وأضاف بأن العديد من العمليات الجراحية التي تحتاج أكياس الدّم تأجلت في فترة الحجر الصّحي واليوم على التّونسيين بأن يكونوا على وعيٍ بضرورة الإقبال على التّبرع لإعادة المخزون الاستراتيجي لمستوياته العادية.

من جهته أكد(ع.ر) ممرض بإحدى المصحات الخاصة بأن الحلول تكمن في القيام بحملات توعية أكبر يقودها المركز الوطني لنقل الدّم بالشراكة مع وسائل الإعلام والهلال الأحمر التّونسي الذي شدد على الدّور المهم الذي يلعبه خاصة أنه الفاعل والوسيط في تقريب التّونسيين للتبرع الذي يبقى هاجس تخوفٍ لديهم(خاصة من لم يتبرعوا سابقًا).

وأضاف بأن المركز الوطني لنقل الدّم الذي يشتكي غالبًا من قلة العنصر البشري وعليه تعزيز هذا العنصر(الذي حسب رأيه مجرد تعلة وليس الأمر حقيقيًا)، وقال إن تغيير توقيت العمل ضرورةٌ ملحةٌ بإضافة نوبات عملٍ مسائية حيث ينهي العاملون دوامهم الساعة الخامسة إضافة إلى الرّاحة العادية يوم الأحد التّي يجب أن تتغير ليوم آخرأو أن تتوفر في هذا اليوم على دوامٍ دائمٍ خاصة أن يوم الأحد هو يوم راحة التّونسيين الذين غالبًا هم المتبرعون، وأنهى بضرورة توفير أعداد أكبر من الآلات المستعملة في عملية التّبرع حيث يتم ارشاد المتبرعين في أوقات عديدة إلى أوقات تناسب عملة المركز ولا تتماشى وأوقات المتبرعين أنفسهم.

عملية التّبرع آمنة والخوف مجرد هاجسٍ

تقول مريم بوسلامة، رئيس مركز التّبرع بالدّم بسوسة(في تصريح إذاعي): “ثقافة التّبرع بالدّم لدى التّونسي ليست بأولوية، لكن التّونسي لا يتأخر غالبًا عندما يكون في علاقة مع أشخاص في حاجة للتبرع بالدّم..على التّونسيين الوعي بمدى أهمية ترسيخ ثقافة العطاء والمتبرع قد يكون متلقٍ في أحيان أخرى ما يُوجب الانفتاح على هذه الثقافة والتّخلص من هاجس الخوف الذي تضاعف بشكل كبير منذ بداية العام الحالي”.

وقال هشام شبيل، مسؤول بمركز التبرع بالدم بسوسة: “بالنسبة للبعض فإن التأخر في التّبرع بالدّم سببه التّخوف من المعدات وهنا يتوجب التّوضيح بأن الحاويات البلاستيكية تصل مغلقة ومعقمة وهي ذات استعمال وحيد، وقبل إجراء أي عملية للتبرع بالدّم يتم تعقيم يد المتبرع، ولا وجود لأي خطر على حياة المتبرعين”، وأضاف: “بالنسبة للمتلقين فإن ما يحدث من مضاعفات سلبية تتعلق أساسًا بمناعته وحالته الصّحية والأمر يحدث بنفس الطّريقة في كل دول العالم، وعدم التعامل بصراحة مع المتبرعين قبل تبرعهم قد تكون سببًا في حصول مضاعفات على المنتفعين لاحقًا وهنا تضاعف هذا الخوف والعزوف مع انتشار فيروس كورونا”.

ارتفاع الاحتياجات

وفي خصوص الأرقام فإن حاجيات التّونسيين من الدّم سنويًا تقدر بنحو 220 ألف عملية كل سنة، حسب احصائية المركز الوطني للتبرع بالدّم قبل سنتين(2018)، قبل أن يخرج المركز للعموم منتصف شهر أفريل الفارط ببيان دعا فيه التّونسيين إلى الإقبال على التّبرع بسبب تراج المخزون الوطني والحاجة الماسة إلى إعادة المخزون الاستراتيجي للدم ومشتقاته إلى مستوياته العادية التي تراجعت بسبب الحجر الصّحي العام ومنع التّجمعات وحلول شهر رمضان(يتراجع فيه التبرع عادة)، وخاصة بسبب التّخوف من عدوى فيروس كورونا.

"على التّونسيين الوعي بمدى أهمية ترسيخ ثقافة العطاء والمتبرع قد يكون متلقٍ في أحيان أخرى ما يُوجب الانفتاح على هذه الثقافة التّخلص من هاجس الخوف".

كيسُ دمٍ وحيد هو ما يحتاجه عادة المريض مقابل توفيره كيسين اثنين لمتبرعين كما جرت العادة في مختلف العمليات التي تتطلب توفير الدّم، لكن الأمر بات هاجسًا وأمرًا يسبب التّوتر في الأشهر الأخيرة بسبب اشتراط المستشفيات العامة منها والخاصة توفير المريض لخمسة أكياس دم مقابل توفير كيس يحتاجه في كل عملية نقل دمٍ، وهو ما استقيناه من منتفعين بالدّماء من مرضى سرطان اعتادوا الحصول على احتياجاتهم بشكل دوري ليكون الأمر بمثابة الكابوس للبعض في الفترة الأخيرة خاصة بالجهات أين تعاني مراكز نقل الدم الجهوية شُحًا في مخزونها..

آلية جديدة لتوفير احتياجات التّونسيين

وقال الدّكتور سلامة حميدة، مدير عام المركز الوطني للتبرع بالدّم،(في تصريح تلفزيوني) “إن توقف العمل الميداني تسبب بشكل أساسي في تراجع المخزون الاستراتيجي للدم ومشتقاته، وأضاف أن طبيعة المدة الحياتية لمكونات الدم تكون في حدود 42 يومًا بالنسبة للكريات الحمراء وخمسة أيامٍ فحسب للصفيحات، ما دفع المركز إلى التوجه لآلية حديثة للتبرع تحمل اسم “الفاسادا” والموجهة لتوفير الاحتياجات من الصّفيحات، آلية تضمن توفير احتياجات عشرة أشخاص من كل عملية تبرع.

وأضاف بأن الدعوة للإقبال على التبرع بالدّم تم العمل عليها في الفترة الماضية بشكل كبير على منصات التّواصل الاجتماعي بوضع اجراءات واضحة لتفادي الاكتظاظ والتّجمعات وحماية للمتبرعين فضلًا عن وضع تطبيقة إلكترونية في الغرض،(App)، يمكن الوصول إليها من صفحة المركز على فيسبوك(CNTS)، إضافة إلى العمل المشترك مع الهلال الأحمر التونسي وجمعيات التبرع بالدم بالتوازي مع عمل المراكز الجهوية لنقل الدّم.

وهنا شدد على ضرورة ترسيخ ثقافة الاقبال على التّبرع بالدّم الطّوعي والمنتظم طيلة العام لتكون ضامنًا لتوفر مختلف الاحتياجات لكل زمر الدّم إضافة إلى العمل على مشاركة المجتمع المدني ووسائل الإعلام في دفع وتحفيز التّونسيين على القيام بهذا الواجب الذي يمس إيجابيا كل التّونسيين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى يخضع لحقوق ملكية
إغلاق
إغلاق
Skip to content