مقالات

فلاحة تنتظر رحمة السماء والإصلاح الزراعي أم المعارك

فطين حفصية
صحفي

” إذا تحب قرارك من رأسك لازم تكون لقمة عيشك من فأسك” … هي حكمة الأوائل يتداولونها فوق أرضهم وتحتها، وذاكرة شفوية منقولة في الزمن، لم يتطلب تنزيلها في المخيال الاجتماعي والفلاحي تفكيرا كبيرا أو فائض اجتهاد تنتهي استخلاصاته إلى أنه لا تسيد للقرار دون تسيد الأرض ووديعتها الفلاحة.

تخبر الأحداث بأبعد من ذلك ففي العلاقات بين الدول والشعوب يمكن أن تنزل دولة أو دول من شجرة قوتها الا من شجرة الفلاحة، أما قواعد التعامل الديبلوماسي ففيها كل المناطق الرمادية باستثناء الماء والغذاء، وما الماضي القريب أو “التاريخ الحي” إلا أفضل تأكيد حين” قوقعت ” جائحة كورونا مساحات جغرافية وسكانية في سياجها الخاص وجعلت من يتسيد فلاحته سيد نفسه وقراره الصحي والسياسي.

يقود ذلك إلى تأكيد مستحدث رفعه شروق الحرب الروسية الأوكرانية  في انتظار غروبها وتقف  تونس  في بواكيره الآن،  فالحرب التي لم تعد باردة بين موسكو وكييف أشعلت سريعا سوق الحبوب العالمي لتصل أسعار القمح إلى مستويات قياسية لم تحصل منذ 14 عاما بالقفز بنسبة 37 %، في حين ارتفعت أسعار الذرة بنسبة 21%  وفقا لأرقام نشرتها مجلة فوربس الاقتصادية، ويخشى الآن تواصل ” التداعي نحو الهاوية ” في حال استمرار لغة القوة بين البلدين بتضاعف كل أسعار المواد الغذائية التي تتزامن مع موجة تضخم عالمية غير مسبوقة وعبرها ستكون المنطقة العربية أول المهددين ب”صراع البطون”.

يذهب تقرير أصدره معهد الشرق الأوسط للأبحاث إلى أن البعد الجغرافي للبلدين المتحاربين عن المنطقة العربية لا يمنع وصول حمم الحرب إليها، واذا طال أمد القتال وتواصل تعطل إمدادات القمح فإن مهمة الكثير من الأسر في تونس ومصر ولبنان واليمن وربما دول عربية أخرى ستتعقد في توفير الرغيف على مائدة الطعام،  حينها يصبح الأمن الغذائي فوق طاولة صاحب القرار والمجتمع، وانطلاقا من هذا التهديد الماثل يمثل مجددا أمر تفكيك المعادلتين القديمتين الجديدتين في تونس: مدى الهوية الفلاحية  الواضحة من حيث التخطيط والتنفيذ والاستثمار وترسخ مفهوم السيادة الغذائية في العقل السياسي والحاكم في تونس.

إذا جمعنا فترة الجلاء الزراعي والسنة الحالية (1964 / 2022)  تكون المحصلة ما يزيد عن ستة عقود من ” الاستقلال الفلاحي” النظري التي يمكن تحقيبها إلى 3 فترات :

1- تجربة التعاضد التي امتدت من 1962 إلى 1969 وتم فيها تعميم التنظيم الجماعي للقطاع الفلاحي وبعث تعاضديات إحياء وإنتاج قبل وقف التجربة وجعلها أمام محاكمة الواقع والأشخاص والفاعلين والتاريخ.

2- ما بعد التعاضد  و”البيريسترويكا الفلاحية” أو إعادة البناء الفلاحي بانتهاج سياسة ليبيرالية فوتت للخواص في الأراضي الدولية رغم تواص ” مراقبة ” الدولة لأملاكها عبر ديوان الأراضي الدولية وهي أكبر الأراضي خصوبة وامتدت من 1970 إلى 1980. 

3- الفترة الثالثة التي تغطي السنوات الرابطة بين 1980 تاريخ فرض الإصلاحات الهيكلية وشروط صندوق النقد الدولي و 2021 التي تمسح مدتها شروط منظمة التجارة العالمية واتفاقية التبادل الحر والشامل مع الاتحاد الأوروبي المعروفة اختصارا بالآليكا التي مازالت قيد المناقشة وما حملته من مخاطر محدقة بمستقبل منتوجنا الفلاحي مقارنة بالقطاع الفلاحي الأوروبي “المقدس” لدى أهل القرار والكتلة الأوروبية الموحدة.

الإصلاح الزراعي الحقيقي أم المعارك 

هذه التحقيبات الثلاثة تبين أن تونس ظلت  مخبر تجارب اقتصادية فلاحية رغم توفرها على كل إمكانيات السيادة الفلاحية سابقا ولاحقا و التي تعود إلى فترة تسمية الرومان لها بمطمور روما كما تؤكد أن “تونسة ” برامج الإصلاح الزراعي ووضع استراتيجية فلاحية واضحة وقصيرة المدى وطويلته حسب الأهداف التي لم تتحقق أبدا لوجود منوال تنموي أعرج في كل مرة يجعل الفلاحة في أدنى سلم الأولويات  الاقتصادية وفق المختصين مقارنة بقطاعات السياحة والصناعات المتوسطة التي عرفت ” ثورة ” في العقل السياسي والحزبي التنموي انطلاقا من سبعينات القرن الماضي.

يضيف جدول تنوع الملكية الفلاحية في تونس أزمة إلى الأزمات فالمساحة الجملية للأراضي الفلاحية المقدرة ب 10 مليون هكتار والمنقسمة بدورها بين ملكية عامة وخاصة واشتراكية تقترب من ثلث هذه المساحة تبين أن” تشتت ” هذه الملكية وابتلاع المساحات الفلاحية سنويا لصالح الامتداد العقاري والتوسع العمراني يضاعفان من تراجع المحصول ويقضمان مما كان يمكن تحصيله سواء في الزراعات الكبرى أو المختلفة (زيتون، تمور، قوارص، خضر …).

أما في ما يتعلق بالاستثمار فتظهر الإحصاءات  المنشورة لوكالة النهوض بالاستثمارات الفلاحية أنه تم التصريح سنة 2021 بما يزيد عن 6660 عملية استثمار مقابل أكثر من 6740 عملية في السنة التي سبقتها أي بنسبة تراجع مقدرة ب1,3%  وب 18% مقارنة بمخطط التنمية، هذه المؤشرات الحديثة تؤكد أن حجم الاستثمارات الجديدة ظل يراوح مكانه في أفضل الحالات ما يستدعي “جرعة استثمارية معززة ” أساسها التحفيز  وتيسير امتلاك الأراضي الفلاحية التي تمتد لمئات آلاف الهكتارات ومداواة صداع المساحات الفلاحية غير المستغلة المزمن وتسهيل الحصول على القروض وإقامة المشاريع الفلاحية الصغرى والمتوسطة.

إن ترسخ مفهوم السيادة الغذائية الذي تم إطلاقه خلال القمة الغذائية العالمية التي عقدت بروما سنة 1996 يظل ” مغيبا” أو حاضرا بالغياب في العقل السياسي والحزبي التونسي في المجمل رغم إجماع الكل على شعار الفلاحة هي الحل، فبنظرة بسيطة إلى البرامج الانتخابية لكل الأحزاب تجد خانة مستقلة للفلاحة ونقاطا تستعرض “مقاربتها الإصلاحية لقطاع الفلاحة” مستندة في ذلك إلى أرضيتها الفكرية والإيديولوجية لكن كل ذلك اصطدم ب “جفاف الواقع” لمن وصل إلى الحكم أو الفشل التام والواضح للبعض الآخر.

 في المطلق يسير ماء الفلاحة يمينا نحو ليبيرالية ” قاسية ” أو” ناعمة ” حسب المشروع مقابل اتجاهه يسارا نحو الأرض لمن يفلحها لكن لفلاحين دون أرض وأرض دون فلاحين، وفي الوسط تقف أحزاب بين مرافقة الدولة والملكية الخاصة أما ” الخط الرابع ” فقد بدأت ملامحه تتحدد مع تصريحات رئيس الجمهورية قيس سعيد حول ما يطلق عليه بالشركات الأهلية التي قد تتضمن ” شركات فلاحية وإنتاجية ” لكن أمر قوانين وآليات ذلك بقي رهين التساؤل والتحليلات.

تستدعي تونس” الخضراء” في ظل تعولم أزمات الفلاحة والانتاج برنامجا شاملا لاستنهاض ماضيها الفلاحي أهمه حسب الخبراء  يتشكل في خمس نقاط هي : مأسسة خارطتها الفلاحية الوطنية وضبط المناطق لكل نشاط فلاحي وتمتين نواة الفلاحة التضامنية ومساعدة الفلاح الكبير والصغير كرأسمال وطني وتنشيط برنامج لمخطط أخضر يبدأ بالاستثمار السهل مرورا بالإنتاج وصولا إلى التسويق علنا نظفر بمكان تحت الشمس في نادي الدول الفلاحية السيادية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى يخضع لحقوق ملكية
إغلاق
إغلاق
Skip to content