مقالات

قراءة في مشروع القانون الوطني للجوء احترامٌ للتشريعات الدولية وحماية لحقوق اللاجئ

الأستاذة إيمان البجاوي

تقديم

تخضع مسألة اللجوء ووضع اللاجئ على الصعيد العالمي لأحكام اتفاقية 1951 وبروتوكول سنة 1967 الخاصين بوضع اللاجئين. وقد تم اعتماد هاتين الوثيقتين القانونيتين الدوليتين داخل إطار الأمم المتحدة.

ومن المهم التذكير بمصادقة الدولة التونسية على اتفاقية سنة 1951 الخاصة بوضع اللاجئين وعلى البروتوكول المكمل لها الصادر بتاريخ 1967 الذي جعل منها غير محددة بأي حيز تاريخي أو جغرافي.

تنص المادة 35 من معاهدة سنة 1951 على الآتي:  «تتعهد الدول المتعاقدة بالتعاون مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أو أية مؤسسة أخرى تابعة للأمم المتحدة قد تخلفها في ممارسة وظائفها وتتعهد على وجه الخصوص بتسهيل مهمتها في الاشراف على تطبيق أحكام هذه الاتفاقية».

ويعتبر ما يشهده العالم اليوم من تغيرات ناجمة عن الصراعات والحروب من أهم الحوافز التي من شأنها وضع الدولة التونسية أمام التزاماتها الدولية خاصة وأن العمل الإنساني وحده غير كاف لحماية اللاجئين وقد ثبت قصوره في توفير استقرار اجتماعي واقتصادي ومسلك حمائي مستمر في الزمن للاجئين.

نشير الى انه وعلى اثر موجة اللجوء التي شهدتها تونس ابان الثورة/الانتفاضة الليبية سنة 2011 فكر اصحاب القرار في السبل الكفيلة بحسن تطبيق اتفاقية 1951 وتم تكليف مركز الدراسات القانونية والقضائية المحدث بموجب القانون عدد 43 لسنة 1993 المؤرخ في 26 أفريل 1993 وهو مؤسسة عمومية ذات صبغة إدارية تتمتع بالشخصية المدنية والاستقلال المالي ويعمل تحت إشراف وزارة العدل، بالعمل على تحرير مشروع قانون لحماية اللاجئين. وقد انتج المركز مشروع القانون الوطني الخاص باللجوء سنة 2012 بمساعدة المفوضية السامية للأمم المتحدة لحماية اللاجئين.

تمكنت الجهة المشرفة على مشروع القانون بالتعاون مع خبراء المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من ادخال التعديلات الازمة عليه لتحسينه من الناحية القانونية وملائمته مع المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الانسان عامة ومع احكام اتفاقية 1951 خاصة.

وبتاريخ 01 جوان 2016 تم ارسال النسخة النهائية لمشروع القانون الخاص بحماية اللاجئين الى رئاسة الحكومة.

وقد يكون من المفيد التعرض لأهم ما ورد بالمشروع المذكور لتجاوز الافكار المسبقة والمخاوف الناتجة عنها وهو ما يلي تباعا.

تعريف اللاجئ:

لقد خلت كل النصوص القانونية الوطنية من تعريف واضح ودقيق للاجئ ولأول مرة في التشريع الوطني سيقع التعرض الى مفهوم اللاجئ كما هو منصوص عليه بالفصل 7 من مشروع القانون، اذ «يمكن أن يتقدم بطلب اللجوء إلى الهيئة الوطنية لحماية اللاجئين وينتفع بالحماية المكرسة بهذا القانون كل شخص أجنبي يدخل التراب التونسي ولا يستطيع أو لا يريد العودة إلى الدولة التي يحمل جنسيتها بسبب خوف جدي وحقيقي له ما يبرره من التعرض إلى الاضطهاد بسبب عرقه او دينه او جنسيته او انتمائه لفئة اجتماعية معينة او آرائه السياسية او كل شخص عديم الجنسية يدخل التراب التونسي ولا يستطيع او لا يريد بسبب ذلك الخوف العودة الى الدولة التي كان يقيم فيها عادة“.

نتبين جليا انه لابد من توفر جملة من الشروط حتى نتحدث عن «لاجئ» وهي شروط دقيقة وجب التثبت منها قبل اضفاء صفة لاجئ على الشخص المعني وتوفير الحماية له طبقا لذلك.

لا بد أن يتواجد الشخص خارج تراب بلد جنسيته (1) وأن يكون ذلك بسبب خوف جدي وحقيقي له ما يبرره  من الاضطهاد (2)  بسبب عرقه أو دينه أو جنسيته أو انتمائه إلى فئة اجتماعية معينة أو بسبب آرائه السياسية (3) .

تعد من توفرت فيه الشروط المذكورة شخصا مهددا في حياته وقد اتجهت حمايته طبقا للالتزامات الدولية عبر نص وطني تطبيقي.

استثناءات من صفة اللاجئ:

يستثنى من صفة لاجئ حتى وان توفرت فيه الشروط المبينة أعلاه من دخل تحت أحكام الاستبعاد أو الانقطاع أو البطلان طبقا لما ورد بأحكام مشروع القانون.

الاستبعاد

يستبعد التمتع بصفة لاجئ عند توفر أسباب جدية للاعتقاد بأن طالب اللجوء قد ارتكب إحدى الأفعال التالية:

جريمة حرب او جريمة ضد الإنسانية أو جريمة ضد السلام

جريمة خارج التراب التونسي لا تكتسي طابعا سياسيا

أفعالا تتناقض مع أهداف الأمم المتحدة ومبادئها

الانقطاع

ينقطع وضع اللاجئ وتزول هذه الصفة عن الشخص الذي سبق أن اكتسبها وذلك في عدة حالات أوردها مشروع القانون ولعل من أهمها:

عدم إدلاء اللاجئ بالتصاريح الوجوبية طبقا لمقتضيات القانون.

زوال الأسباب الجدية المؤسسة للخوف من الاضطهاد

اختيار العودة الى البلد الاصل

البطلان

تقرر الهيئة إبطال صفة لاجئ عن كل شخص سبق وأن منح هذه الصفة في الحالات التالية:

إذا تبين أن المنح انبني على معطيات غير حقيقية أو مدلسة ولم تكن هذه المعطيات متوفرة عند منح صفة اللاجئ

اذا تبين اقتراف الشخص لأحد الجرائم أو الأفعال الواردة بالفصل 8 ولم تكن هذه المعطيات  متوفرة عند طلب اللجوء

حقوق وواجبات اللاجئين:

نظم مشروع القانون مسالة حقوق اللاجئين وقد نظرها أحيانا بحقوق الاجانب على التراب التونسي وساواها أحيانا أخرى بحقوق المواطنين التونسيين.

أهم الحقوق:

– حرية المعتقد

– الإغاثة والمساعدة العامة

– التعليم العالي والصحة

– التقاضي أمام المحاكم/ الإعانة العدلية

– الملكية الفكرية والصناعية

أهم الواجبات المحمولة على اللاجئ:

– القيام بالتصاريح الدورية الواجبة قانونا

– احترام قوانين وأنظمة الدولة التونسية والامتثال لأحكامها

– الامتناع عن ممارسة أي نشاط فردي أو جماعي

– الامتناع عن ارتكاب أي عمل من شأنه النيل من المصالح التونسية

كما تم التنصيص على إجراءات حمائية خاصة.

ضمانات الحماية:

اجتياز الحدود بصفة غير قانونية

يعفى من العقوبات المستوجبة قانونا ولا يحرم من إمكانية الحصول على صفة اللاجئ من اضطر إلى الدخول إلى التراب التونسي بصفة غير قانونية + تقدمه فورا إلى السلطات الأمنية

تحجير التسليم والطرد والرد

يحجر تسليم أي شخص تقدم بمطلب لجوء

يحجر طرد أو رد أي لاجئ إلى الدولة التي تكون فيها حياته أو حريته مهددة بسبب عرقه أو دينه أو آرائه السياسية أو انتمائه إلى فئة اجتماعية معينة.

حالة التدفق الجماعي

تتولى السلطات الأمنية المكلفة بمراقبة الحدود تسجيل الأشخاص والتنسيق مع الهيئة الوطنية لحماية اللاجئين وتحديد أماكن إقامتهم الى حين النظر في مطالب اللجوء.

– يمكن إسنادهم بطاقة إقامة مؤقتة من قبل مصالح وزارة الداخلية المختصة وذلك بناءا على قرار من الهيئة .

وتبقى من أهم ما ورد بمشروع القانون احداث هيئة عليا لحماية اللاجئين.

احداث الهيئة الوطنية لحماية اللاجئين:

تحدث بموجب هذا القانون هيئة تسمى الهيئة الوطنية لحماية اللاجئين تتمتع بالشخصية القانونية والاستقلال المالي تختص بالنظر والبت في مطالب اللجوء ومتابعة وضع اللاجئين وسحب صفة اللاجئ أو إبطالها عند الاقتضاء طبقا لمقتضيات هذا القانون، ويكون مقرها بتونس العاصمة. وتلحق ميزانية الهيئة بميزانية وزارة العدل.

تتركب الهيئة من ممثلين على مختلف الوزارات نظرا لتعلق مسألة اللجوء بالسيادة الوطنية.

ممثل عن وزارة العدل

ممثل عن وزارة الشؤون الخارجية

ممثل عن وزارة الداخلية

ممثل عن وزارة الدفاع

ممثل عن وزارة المالية

ممثل عن وزارة الشؤون الاجتماعية

ممثل عن وزارة الصحة

ممثل عن الوزارة المكلفة بالتربية

ممثل عن الوزارة المكلفة بالتكوين المهني والتشغيل

ممثل عن الوزارة المكلفة بالمرأة والأسرة

ممثل عن الوزارة المكلفة بالعلاقات مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الانسان

ممثل عن الهيئة العليا لحقوق الانسان والحريات الاساسية

ممثل عن جمعية الهلال الاحمر التونسي

ممثل عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين المنتصب بالبلاد التونسية لا يتمتع بحق التصويت

اجراءات النظر في مطالب اللجوء:

تتعهد الهيئة مباشرة بطلب اللجوء في شكل تصريح مرفق بجميع المعطيات والحجج والإفادات.

يكلف رئيس الهيئة مفوض الحماية في أجل أقصاه 7 أيام من تاريخ تقديم الطلب بالتحرير على طالب اللجوء والقيام بجميع الأعمال التي من شأنها كشف جدية الطلب من عدمه وتوفر الشروط. ويرفع تقريرا في الغرض إلى خلية الحماية وهي احدى هياكل الهيئة.

يوزع الرئيس نسخة من الملف على جميع الأعضاء يتداول المجلس سريا وبحضور أغلبية أعضائه. يتخذ المجلس قراره بأغلبية أصوات ثلثي الأعضاء الحاضرين وعند التساوي يرجح صوت الرئيس.

اجراءات الطعن في قرارات الهيئة:

لطالب اللجوء الحق في الطعن في قرارات الهيئة المتعلقة بمطلبه.

و لكل لاجئ الحق في الطعن في قرار سحب أو إبطال صفة اللاجئ من قبل الهيئة.

وتختص المحكمة الإدارية بالنظر في الطعون في قرارات الهيئة.

كما تخضع آجال وإجراءات الطعن للتشريع الجاري به العمل المتعلق بالمحكمة الإدارية.

الاقامة والأحكام الانتقالية:

تسلم المصالح المختصة بوزارة الداخلية:

بطاقة الإقامة المؤقتة لمدة 3 أشهر إلى كل شخص تقدم بطلب اللجوء إلى الهيئة.

بطاقة إقامة لاجئ لمدة 3 سنوات تتجدد لنفس المدة

يواصل مكتب المفوضية النظر في مطالب اللجوء التي تعهد بها قبل صدور هذا القانون وتحال جميع الملفات المتعلقة بها إلى الهيئة.

تطبق أحكام هذا القانون على كل من أسندت إليه صفة لاجئ من قبل المفوضية قبل دخوله حيز التنفيذ.

تتولى الهيئة مسك الأرشيف المحال عليها من قبل المفوضية والمتعلق بقرارات اللجوء المتخذة منذ 2011.

الخاتمة:

نتبين أن مشروع القانون جاء ملائما لأحكام الاتفاقية الدولية لحماية اللاجئين لسنة 1951 التي صادقت عليها الدولة التونسية فعرف لأول مرة في المنظومة القانونية الوطنية – اللاجئ- كما نظم شروط صفة اللاجئ فاستبعد مثلا المقترفين لجرائم ضد الانسانية  كما نص على الحقوق والالتزامات الخاصة باللاجئ وأحدث هيئة وطنية للنظر والبت في مطالب اللجوء وجعل قراراتها قابلة للطعن أمام المحكمة الإدارية.

مكن مشروع القانون اللاجئين من الحماية المفروضة على الدول المصادقة على اتفاقية 1951 كما جعل من الدولة التونسية قادرة على تحديد صفات المتواجدين على ترابها بكل دقة عبر هيئة وطنية حماية لسيادتها واحتراما للالتزامات المحمولة عليها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى يخضع لحقوق ملكية
إغلاق
إغلاق
Skip to content