حوارات

ارتدادات الحرب الروسية الأوكرانية تمس الجميع وتأثيراتها على تونس غذائية وطاقية بالأساس

خميس الجهيناوي وزير الشؤون الخارجية السابق لـ"الجريدة المدنية":

حاوره فطين حفصية
صحفي

اعتبر وزير الشؤون الخارجية السابق خميس الجهيناوي أن تونس الآن أمام حتمية الانفتاح على العالم أكثر وتنويع علاقاتها الدولية للحد من ارتدادات الحرب الجارية بين روسيا وأكرانيا، وامتداداتها نحو الفضاء الأوروبي الذي يشكل عمق علاقاتنا التقليدية في كل المجالات.

الديبلوماسي السابق الذي يعرف المنطقة جيدا، باعتبار شغله حقيبة السفارة التونسية بموسكو وكييف، سابقا وصف الموقف التونسي في الأمم المتحدة بالصحيح في ما يتعلق بالنزاع الروسي الأوكراني لارتباطه بأمننا وتداخل علاقاتنا مع عواصم القرار الدولي.

جاء ذلك في إجابة وزير الشؤون الخارجية ورئيس المجلس التونسي للعلاقات الدولية على جملة أسئلة طرحناها عليه خلال جلسة نقاش دراسية بمعهد الصحافة وعلوم الإخبار حول الحرب الروسية الأوكرانية وتداعياتها السياسية والجيوسياسية والاقتصادية والدولية والاجتماعية في تونس.

كيف تفككون أسباب النزاع الروسي الأوكراني بعيدا عن مسلمات المجال الحيوي الروسي وما يوصف بالخط الأحمر الحدودي مع حلف شمال الأطلسي؟ 

الحرب لم تبدأ في 24 فيفري الفارط لما أطلق الرئيس بوتين التدخل العسكري في أوكرانيا فهذا التدخل الروسي ما هو إلا تعبير على وضعية عرفتها الساحة الدولية لمدة 30 سنة لكن أهمية هذا التدخل وما يجري حاليا وضع حدا للنظام الدولي أو هو بصدد وضع حد له بعد أن ساد العلاقات الدولية مند ثلاثة عقود أي بعد نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي السابق وجدار برلين.

إن هدف هذا التدخل هو تموقع روسيا من جديد في عالم متغير وفرض إرادتها وترسيخ استعادة مكانتها على الساحة الدولية إثر حدوث إخلالات في المنظومة الدولية لجملة أسباب كثيرة. 

في الحقيقة يتم البحث عن حلول جدية لوقف الحرب بالنظر إلى وجود أطراف استراتيجية في معادلة الصراع ومصلحة كل الاطراف المتداخلة فيه، فلم تعط هذه الاطراف للديبلوماسية الأحقية في فض النزاع وتسويته. فهذه الحرب الجارية دليل على فشل اتفاقيات منسك التي تم ابرامها في العام 2015 وبات واضحا أن ساحة النزاع مازالت متقلبة بدورها.

 وبالنظر إلى موازين القوى لا يمكن الحديث عن هزيمة عسكرية روسية رغم ما تحقق أخيرا من قبل الجانب العسكري الاوكراني إذا لا يمكن نسيان أن روسيا دولة نووية ويمكن أن تهزم في معركة أو إثنين وليس حرب وبإمكاننا هنا استحضار ما يطلق عليه بالروح الروسية ففي تاريخهم تلقى الروس هزائم لكن في نهاية المطاف يحاولون بكل الوسائل أن ينتصروا أو يحافظون على الأقل على مصالحهم.

ماهي التأثيرات المباشرة وغير المباشرة لهذه الحرب على بلادنا؟

نحن بصدد أزمة عالمية وتأثيراتها واضحة على أوروبا بصفة عامة وعلى الشرق الأوسط وشمال افريقيا وتونس بحكم ارتباطها بما يحوم حولها من تطورات تحاول أن تحد من تأثيرات هذا الصراع الذي مس أساسا قطاعين مهمين أولا التغذية وأسعار الغذاء خصوصا إذا علمنا أننا نستورد 52 % من حاجياتنا من القمح من أوكرانيا وثانيا الطاقة وقد لاحظنا ذلك دوريا عبر زيادة أسعار المحروقات.

علينا ترتيب جهدنا الديبلوماسي في ليبيا وللأسف لم أر أي مبادرة في هذا الاتجاه

خميس الجهيناوي

ميزانية الدولة لدينا تم تحديدها بناء على سعر مرجعي يعادل 75 دولارا لبرميل النفط والحال أن البرميل الآن يراوح مكانه بين سعري 90 و 100 دولار وكل دولار هو مليون دينار تونسي وهذا هو التأثير المباشر والكبير.

التأثير غير المباشر هو أمني بالأساس وعلى مستوى علاقاتنا مع الاتحاد الاوروبي الذي يركز عمله اليوم عما يجري في حدوده الشرقية والقضايا الأمنية وهذا يفتح احتمالا كبيرا على التأثير في مجالات التعاون مع الحوض الجنوبي للمتوسط.

هناك تأثير أيضا على النزاعات الاقليمية كليبيا وسوريا واليمن واليوم مجلس الأمن غير قادر على الاجتماع وأخذ قرار لدفع مسار السلام في هذه الأزمات بالنظر إلى وجود دولة هي عضو قار ولديها حق الفيتو النقض وبالتالي لها إمكانية وقف أي قرار ليس في مصلحتها وبالتالي ما يجري اليوم هو تحول جذري وهام على الساحة الدولية.

إننا نرى أن هذا الصراع والنزاع المسلح يأخذ صدى كبيرا ما يجعلنا أمام حتمية الانفتاح على العالم وأن يكون اقتصادنا مندمجا في الاقتصاد العالمي لذلك يجب أن نعي كل هذه القضايا وأن نعد العدة لمجابهتها من خلال تنويع علاقاتنا وتفسير ما يجري لدينا من تطورات لأصدقائنا وشركائنا حتى نحاول أن نتحدى هذه الأزمة.

ما هو المطلوب منا عمليا بصفة ديبلوماسية لمجاراة هذه الأزمة الدولية أو كيف نحتوي كل آثار هذا الصراع، أو على الأقل نحد من ارتداداته السلبية على علاقاتنا؟ 

نحن بلد إذا أراد الرجوع الآن أو في المستقبل البعيد أو القريب بعد 20 عاما على الأقل يجب أن تكون سياساته وفق إمكانياته ونابعة منها فلا يجب أن نأخذ مواقف تتجاوز قدراتنا أو مواقف عنترية من هذه القضية أو تلك خصوصا أن الأوضاع في هذا العالم باتت متقلبة فيتأثر بالتالي استقرارنا ورفاهية شعبنا.

في هذا الإطار نستحضر الموقف التونسي في الأمم المتحدة فما هي قراءتك له؟  

موقفنا في الأمم المتحدة أعتبره الموقف الصحيح لأنه ليس من المعقول أن تكون تونس البلد الصغير الذي يعتبر مداه الاقليمي صعبا مع إعطاء الحق لروسيا في دخول الاراضي الاوكرانية فهذا أمر لا يقبله بلد يتشبث بالقانون الدولي باعتباره الفيصل وباعتباره يشكل نوعا من الحماية أيضا للبلدان الصغرى من البلدان الكبرى في حالة وجود زوابع لا يمكن التحكم فيها.

تونس ذهبت في قرارها في الاتجاه الصحيح وهو الموقف السليم رغم التبرير الخاطئ له لأنه أمر ثان ومجال ليس وقته الآن  لذلك كان لا بد من أخذ هذا الموقف لارتباطه بأمننا ولا فائدة أيضا  في قول أو شرح من يساعدنا على حفظ أمننا من الإرهاب فأنا أعرف جيدا ذلك باعتباري كنت في جوهر المسؤولية وأعرف من ساعد تونس وإذا كانت النتائج التي وصلنا اليها اليوم، بعد حربنا على الإرهاب، بالشكل الذي عرفناه في 2015 و 2016 والتي لا يتم الحديث عنها في وسائل الاعلام فإن كل ذلك يعود إلى  عمل كبير جدا قمنا به لتحصيل مساعدات دولية وتدريب أمننا بشكل جيد وتمليكه كل الادوات للتصدي لهذا الآفة وبالتالي لا بد أن نكون حذرين جدا في قراراتنا ونبتعد عن المواقف التي يمكن أن تضرنا.

القرارات الدولية والديبلوماسية المهمة تستدعي وعاء فكريا واستراتيجيا مهما فما هو دور مراكز التفكير في إسناد مواقف صاحب القرار خصوصا أنكم على رأس مركز تفكير مستحدث وهو المجلس التونسي للعلاقات الخارجية؟ 

أنا مدين لبلدي في كل مساري المهني فقد مكنني نظامنا التعليمي من تعليم وتكوين جيد وفي مستوى عال في الجامعة التونسية التي تلقيت فيها كل دراستي ومكننا ذلك من التدرج في المسؤوليات وبعد 40 عاما من العمل في الحقل الديبلوماسي وخدمة الدولة قررنا مواصلة العمل بطريقة أخرى عبر هذا المجلس الذي يضم شخصيات كبرى ومهمة وفاعلة في الشأن العام والسياسي والاقتصادي والأكاديمي والديبلوماسي والاعلامي كالسادة الحبيب الصيد وأحمد ونيس وعدد من رجال الاعمال الكبار والسفراء المتقاعدين.

لا وجود لدولة عصرية شهدت انتقلا ديمقراطيا دون تفكير أو مراكز تفكير لأن ذلك أمر أساسي ومن صميم دوره النظر في القضايا التي تهم البلاد بصفة هادئة ثم تحليلها. وقد نظمنا في أحدث نشاط لنا في بداية الثلث الأخير من شهر نوفمبر 2022 أياما دراسية ضمت زبدة الخبرات التونسية التي لم يسبق لهم التجمع في مكان واحد لتفكيك وتحليل التموقع الجيوستراتيجي لتونس في الفترة الراهنة وأخذ كل التحولات الجارية الآن بعين الاعتبار ومن ثمة تموقعها الاقتصادي.

كما عالجنا ثلاث قضايا يجب أن تكون من صميم اهتمامات العقل التونسي المقرر أو صانع القرار. والمجتمع وهي الطاقة وضرورة مراجعة القوانين الاندفاعية، والماء في بلادنا مهددة بشح وفقر مائي مدقع وأخيرا المناخ والتغيرات المناخية وما خرجت به قمة المناخ 27. وأنا أدعوكم إلى قراءة ما ورد في تقرير منظمة السلام الأخضر الذي أطلق صيحة فزع حول منطقة شمال افريقيا  والشرق الأوسط التي هي أكبر منطقة مهددة فنسبة الحرارة فيها تتزايد ضعف ما يتزايد في العالم.

سيدي الوزير لا يمكن إغفال هذا النقاش لسؤالك عن الملف القديم الجديد وهو طبيعة ترتيبنا لمجال تحركنا الديبلوماسي في الفضاء الليبي المتشعب؟ 

مع الأسف الملف الليبي يعرف أزمة كبيرة لتوقف مسار السلام تقريبا وهناك أزمة اجتماعية أيضا في لييبا وتونس غائبة على الساحة الليبية لأنني لم أر مبادرات من شأنها أن تعزز دورنا في هذا الملف الحيوي بالنسبة إلينا.

لقد حاولنا قبل سنوات أن نكون في الصورة من خلال علاقاتنا والمبادرة الثلاثية بين الجزائر ومصر وغيرها أما اليوم فنحن في موقع المتفرج للأسف فلم نر مبادرات كبيرة أولا لنفسر لأشقائنا وأصدقائنا الليبيين أهمية ليبيا بالنسبة الينا في نواحي الاستقرار والتنمية ولكن أيضا عبر المساهمة في المساعدة على حل هذه الازمة… هذا هو واقعنا المؤسف مرة أخرى فلا أكاد ألاحظ أي حضور واضح أو ديبلوماسي كما اتوقعه شخصيا.

وماذا بشأن معلوماتكم أو ما جمعتموه من معلومات بشأن مصير الزميلين سفيان الشورابي ونذير القطاري؟ 

هذا الموضوع كبير ومعقد وبالنظر إلى عملي الطويل في الخارجية والديبلوماسية فقد حافظت على متابعتي لكل ما يدور حولنا وآخره الحوار الذي أجراه رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة مع إذاعة موازاييك حيث أعاد المسؤول الليبي نفس ما كان يقوله لنا رؤساء الحكومات الليبية السابقة من حيث أنهم سيعملون كل جهد لمعرفة مصيرهما.

نحن لم نكتف سابقا بالجانب الليبي بالنظر الى عدم وجود سلطة تسيطر على كل التراب الليبي وهو ما يجعل فهم الحقيقة من الخطإ أمرا صعبا إن لم نقل مستحيلا لذلك اتصلنا بالمنظمات الدولية من أمم متحدة ومجلس حقوق الانسان بجينيف ولا نذيع سرا أيضا إذا قلنا إن مخابراتنا أجرت اتصالات بمخابرات عدد من الدول الأخرى التي لها تقاطعات في لييبا لكن ليس هناك دليل قاطع على وفاة سفيان ونذير.

أبعد من ذلك أرسلنا حاكم تحقيق وذهب إلى ليبيا والتقى المدعي العام الليبي بعد أن رافقه أيضا وفد فني مختص في البصمات عاين عددا من الجثث لأجانب تبين فيما بعد أنهما لا تعودان لسفيان الشورابي ونذير القطاري بعد أن راج خبر أنهما يمكن أن تعود إليهما.

هل أنهما مازالا على قيد الحياة الى الآن أم لا؟  هذه نقطة استفهام كبيرة وطبعا الحكومة المركزية في طرابلس لا تسيطر على كل الاراضي الليبية وهناك سجون مثلا خارج سيطرة هذه الحكومة والألم الكبير حقيقة هو عائلتا الصحفيين أو تلك الأم التي اقتبلتها عديد المرات في مكتبي لما كنت على رأس الخارجية وكان لديها أمل أن ابنها سيأتي ليرن جرس البيت من جديد ويدخل نحو حضنها… حقا إنه مشكل كبير لكن لا يمكن في المقابل للدولة التونسية ان تقول أي شيء في حال عدم امتلاكها إثباتا حقيقيا لمصيرهما.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى يخضع لحقوق ملكية
إغلاق
إغلاق
Skip to content